تحديثات الأخبار

بقلم  إيناس صيام - القدس

تخيلوا معي هذه الصورة للحظة: هدوءٌ تام يعم المكان، ورائحة القهوة الدافئة تتصاعد من فنجان بجواركم، وبين أيديكم شيء يزنُ تاريخاً طويلاً من المعرفة الإنسانية.. له ملمسٌ مميز، ورائحةٌ خاصة جداً تأخذكم فور استنشاقها إلى أزمنةٍ بعيدة وذكريات دافئة. هل عرفتموه؟ إنه الكتاب الورقي.
  في عالمنا اليوم، حيث يتسارع كل شيء بوتيرة جنونية، وتخطف الشاشات الذكية أبصارنا بوميضها المستمر وإشعاراتها التي لا تهدأ، نسينا -أو تناسينا- أن هناك علاقةً حميمة وخاصة جداً تنشأ بين القارئ والورقة. واليوم، لا نطرح هذا الموضوع للحديث عن القراءة كفعلٍ معرفي مجرد فحسب، بل جئنا لنتحدث عن "القراءة الورقية" كفعلٍ واعٍ من أفعال التحرر، وطقسٍ من طقوس "المقاومة الجمالية" لاستعادة إنسانيتنا المستلبة وسط ضجيج التنبيهات الرقمية المتواصل.
أرواح تسكن الأرفف
يقول الروائي الإسباني العالمي، كارلوس زافون، في وصفه البديع لهذه العلاقة: "كل كتاب، كل مجلد تراه، له روح. روح من كتبه، وأرواح الذين قرأوه وعاشوا وحلموا به".
لماذا نستحضر هذا الاقتباس الآن؟ لأننا حين نتناول الكتاب الورقي، فنحن لا نتحدث عن "ناقل معلومات" جامد أو وعاء أصم للبيانات، بل نتحدث عن كيان مادي يشاركنا المكان والزمان. الكتاب الورقي كائن حي يتنفس في محيطك، يفرض حضوره الفيزيائي، ويشع بطاقة إنسانية تختلف كلياً عن برودة الأجهزة اللوحية الصامتة.
هدنة مع صخب العالم
عندما تفتح كتاباً ورقياً، أنت في الحقيقة تعلن "هدنة" رسمية مع العالم الخارجي؛ أنت تطلب من الضجيج أن يتوقف، ومن الزمن أن يتباطأ. في حضرة الورق، أنت تسير في طريق مستقيم وواضح مع الكاتب، فيما يسميه العلماء والباحثون بـ "القراءة العميقة".
هذه الحالة الذهنية الفريدة هي التي تصنع الفكر النقدي وتنمي الخيال؛ فالعقل هنا ليس متلقياً سلبياً، بل يضطر لرسم الصور وبناء العوالم في مخيلته، بدلاً من تلقيها جاهزة ومعلبة خلف زجاج الشاشات البارد الذي يحيلنا غالباً إلى مستهلكين للصور لا منتجين للأفكار.
ذاكرة الحواس: لماذا لا ننسى الورق؟
هل تساءلتم يوماً: لماذا نتذكر تفاصيل ما قرأناه في الكتب الورقية أكثر مما نقرأه على الشاشات؟ السر يكمن في "الحواس".
نحن لا نقرأ بأعيننا فقط؛ التجربة القرائية هي تجربة حسية متكاملة. نحن نلمس الكلمات بأطراف أصابعنا، ونسمع حفيف الصفحات عند تقليبها، ونشم رائحة الورق والحبر المميزة. هذا الارتباط المادي يرسخ المعلومة في الذاكرة.
أكثر من ذلك، الكتاب الورقي "يشيخ" معك. تصفر أوراقه بمرور الزمن، تتهتر زواياه قليلاً، ويحمل بصمات أصابعك، وربما بقعة قهوة سقطت سهواً في ليلة شتاء. يتحول الكتاب هنا من مجرد "ورق" مطبوع إلى جزء أصيل من تاريخك الشخصي، وشاهد حي على مرحلة من عمرك.
دعوة لاستعادة الذات
في الختام، ورغم كل الأصوات التي تقول إن الكتاب الورقي قد يختفي أمام طوفان التكنولوجيا، أقول بثقة: إن الروح لا تختفي.
نحن هنا لا ندعو لهجر التكنولوجيا أو معاداة التطور، ولكننا ندعو لاستعادة "السكينة" المفقودة. ندعو للتوازن الذي يحفظ لنا عقولنا وهدوءنا النفسي.
في المرة القادمة التي تشعرون فيها بتشتت الذهن وثقل العالم الرقمي، اذهبوا فوراً إلى رف الكتب، اختاروا رفيقاً ورقياً، واشعروا بثقل المعرفة الحقيقي بين أيديكم.
اقرأوا من الورق.. لتشعروا بنبض الكلمات، لا بوميض البكسلات.

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

اشترك في نشرة اخبارنا