تحديثات الأخبار

تنبثقُ قصيدة "تموز جيكور" في فضاء الشعر العربي المشرع على الضوء، لؤلؤةً فلسفيةً تجلو غوامض الوجود، يذوبُ في أتونِها صدى الأسطورة البابلية برنينِ الوجدان المتوقد، تطلُّ عشتار، رُبةُ الوجوهِ المشرعة على الحب والحرب، ومنبعُ الخصوبةِ الصاخب، سرّاً أزلياً للتحول، ورقصةً كونيةً توائمُ بين إشراقِ الروح وعتمةِ المادة، وتصهرُ لحظةَ التكوين في وهجِ الانبعاث.

     يستحضرُ السياب، ذاك الغائصُ في لُججِ ذاته المثقلةِ بالأوجاع، عشتارَ قوة ضاربة في شرايينِ الفجيعة؛ فتستحيلُ الدماءُ بلمستِها مِلحاً طاهراً، وتغدو الخسارةُ المريرةُ مخاضاً لميلادٍ يتجدد. نُعاينُ ضمن هذه التجليات فلسفةً غائرةً في فهمِ الدورةِ الإنسانية، إذ تبلغُ الخصوبةُ تمامَها في ذروةِ التحول، وتنبتُ الأبديةُ من صميمِ الشغفِ المستعر.

عشتار همسة الظلال: تجلي الإلهة في لحظة التبدل

     تتفتح القصيدة زهرة ملطخة بالندى الأحمر؛ يغرز الخنزير أنيابه في يد الشاعر، ويستقر في أعماق كبده، فينساب الدم جارياً، ويستحيل ملحاً أجاجاً، تتألق عشتار رمزاً للخصوبة المتدفقة، ربّةً تهبط أغوار العالم السفلي في الأسطورة البابلية، بعثاً لحيوية تموز، حبيبها المجسد لدورة الفصول.

     يتوحد السياب بتموز، ويتحول الخنزير – ذاك الداء الذي نهش وجوده – محركاً للصيرورة؛ ليغدو دم الشاعر ملحاً، ومرآةً للجفاف المتدفق، ونقيضاً للخصوبة التي نفحتها عشتار.

     تتماوج أثوابُ عشتار، رفرفة أعشابٍ تذوبُ في مدار الشاعر، ينسابُ من نعلٍ يقدحُ برقاً لاهثاً. تفيضُ هذه الصورة البلاغية بإيقاعٍ موسيقيٍّ يمزجُ السرعةَ بالوهج، فتستحيلُ الإلهة قوة عاصفة، وميضاً يقتحمُ العروق، وإشراقاً يغمرُ الأكوان بشرطِ الإنهاضِ والإحياءِ والسقيا.

     تتألقُ الرّبة هنا إمكانية وجودية، نداءً يتوقُ إلى القوة الجسورة، وتتحولُ همسة ظلالٍ تنثالُ على كيان الشاعر، تُطْبِقُ عليه، فينطفئُ في عينيه الوهج، ويغدو والعتمة جوهراً واحداً. يجسدُ هذا التحول فلسفةَ الوجود في ذروةِ تجليها: إنسانٌ يواجهُ قدَرَهُ أمام اللامتناهي، تغدو فيه عشتار رمزاً للآخر المانحِ للصكوكِ الختامية؛ ذاك الذي يَهبُ الخلاصَ ويغمرُ الروحَ في لججِ الظلال.

عشتار منبع النشأة المتجددة

      في جوف القصيدة، يتردد صدى النشأة: "جيكور ستولد جيكور، النور سيورق والنور، جيكور ستولد من جرحي، من غصة موتي من ناري". عشتار، تلك التي استردت تموز من قبضة العدم، تتجلى طاقةً مولدةً تستحيلُ بها الندوبُ بيادر قمحٍ يفيضُ بالوفرة؛ يضحكُ الجرنُ لوجهِ الصباح، وتتماوجُ القريةُ ألحانًا شهية، يغفو الشيخُ فوق الربوة، ويُسِرُّ النخلُ بوجدِ الشاعر. تستلهمُ هذه التجلياتُ البلاغية إيقاعَ الطبيعة الدائري، فيغدو التحولُ بوابةً مشرعةً على دفقِ الوجود، تجسيداً لرؤيةِ صراعِ الأضدادِ منبعاً أزلياً للأشياء. يرسمُ السيابُ عشتار رمزاً للجدلِ الطبيعي؛ ينبثقُ الضياءُ من عتمةِ الجرح، وتورقُ الخصوبةُ من لظى اللهيب، صدىً للشغفِ الذاتي المستعر في داء الشاعر.

     يتجذرُ البعدُ الفلسفي عمقاً بصرخة المآل: "جيكور ستولد لكنّي لن أخرج فيها من سجني في ليل الطين الممدود، لن ينبض قلبي كاللحن في الأوتار، لن يخفق فيه سوى الدود". تستحيلُ عشتارُ إلهةً ملتبسةً، تعِدُ الأرضَ والقريةَ بنشأةٍ جمعية، وتنبذُ الشاعرَ في زنزانةِ المادة، رهينةَ التحول الفردي. يجسدُ هذا المشهدُ فلسفةَ الشغفِ داءً للصيرورة، فتتحققُ الأبديةُ للجماعةِ والتراب، ويبقى الفردُ حبيسَ زواله؛ عشتارُ هنا رمزٌ للمقدس المتجاوز، يمنحُ الروحَ للكل ويحجبُها عن الجزء.

عشتار سر العدم والتحول الدائم

     عند ذروة النص، يدوّي صدى الاستحالة: "هيهات أتولد جيكور إلا من خضة ميلادي؟ هيهات أينبثق النور ودماي تظلم في الوادي؟ أيسقسق فيها عصفور ولساني كومة أعواد؟". تبرز عشتارُ ربّةً للتناقض الصارخ، تُحيلُ الدماءَ عتمةً سحيقة، واللسانَ حطباً يابساً، والجرحَ مِلحاً يغلي. يتجاوز هذا المشهدُ رؤى التحولِ بوصفها عتبةً للحيويةِ العليا، ليقلبها السيابُ رأساً على عقب؛ الصيرورةُ هنا هي العدم، والتحولُ تأبيدٌ للفناء: "يا ليل أظل مسيل دمي، ولتغد تراباً أعراقي". عشتار، التي غدت همسةَ حياةٍ في الأسطورة القديمة، تستحيلُ برعمةً للاضمحلال، غيمةً من رملٍ منثور، ورمزاً للجفاف يواجهُ ضغينةَ الخنزيرِ المتلفعةِ بالسواد.

     يُجسد هذا التجلي فلسفةَ التمردِ أمام عبثِ اللامتناهي؛ فالإنسانُ يواجهُ اللامعنى بسلاحِ الشعر، يستحضرُ عشتارَ صياغةً لشغفه في قالبِ الجمال، بينما تلوذُ الإلهةُ بالبُعد، تمنحُ الأرضَ وعودَ الخصوبة وتغرسُ الفردَ في لُججِ الطين.

عشتار انعكاس الروح الإنسانية

    بين يدي خاتمة هذه الأناشيد، تنبثق عشتارُ رؤيةً فلسفيةً غائرةً في كنهِ الوجود؛ إلهةً تصهرُ الندوبَ ضياءً، وتستقطرُ من الصيرورةِ دفقَ الخصوبة، معلنةً انحسارَ الأبديةِ الفرديةِ سراباً أمامَ طغيانِ الدورةِ الكونيةِ الأزلية.

    يخطُّ السيابُ في "تموز جيكور" ملامحَ عشتارَ رمزاً للصراعِ البشريِّ الأزلي، يزاوجُ فيه بينَ غبارِ الأسطورةِ ونبضِ الواقع، وبينَ سحرِ الشعرِ وصرامةِ الفلسفة، ليجلوَ الحقيقةَ المنسية: في قلبِ كلِّ اضمحلالٍ يكمنُ تكوين، وفي جوفِ كلِّ عتمةٍ يرتعشُ ضوء. تمضي القصيدةُ عابرةً تخومَ الوقت، مانحةً عشتارَ خلوداً عصياً على النسيان في متاهاتِ الروحِ العميقة.

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

اشترك في نشرة اخبارنا