تحديثات الأخبار

بقلم ايناس صيام - القدس

نعيش اليوم في خضم «نهضة رقمية» تتمحور حول الكمال. بلمسة واحدة على الشاشة، يمكننا محو عيوبنا، وتغيير معالم محيطنا، وتقديم حياة تبدو وكأنها غروب شمس أبدي لا ينقضي. لقد شيدت وسائل الإعلام الرقمي ما يمكن تسميته بـ «هندسة الوهم» المعقدة، حيث لم يعد الهدف هو التقاط الواقع كما هو، بل تنسيق تحفة فنية منمقة. ومع ذلك، كلما زاد بريق منصاتنا وصقلها، أصبح إحساسنا الجماعي بذواتنا أكثر تشظياً وتفتتاً.
سراب الحياة «المثالية»
تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات للربط بين البشر إلى مسارح للأداء الاستعراضي. نحن نرزح تحت ضغط مستمر لبث تفاصيل حياة تبدو «جديرة بالنشر» (Instagrammable). لقد خلقت ثقافة «الفلتر» هذه مفارقة خطيرة: نحن أكثر اتصالا ببعضنا من أي وقت مضى، لكننا نشعر بعزلة ووحدة متزايدة.
لماذا؟ لأننا نتواصل عبر أقنعة. عندما نخفي صراعاتنا ونسلط الضوء فقط على انتصاراتنا، فإننا نخلق عالماً يشعر فيه الجميع وكأنهم الوحيدون الذين يواجهون الفشل.
الأصالة كتمرد شجاع
في حقبة أصبح فيها «الزيف» هو الإعداد الافتراضي، بات التمسك بالحقيقة والتصرف بواقعية فعلاً شجاعاً من أفعال التمرد. إن اختيار نشر صورة دون تنقيح، أو مشاركة قصة حول كبوة ما، هو أكثر من مجرد خيار شخصي؛ إنه تحدٍ للوضع السائد.
ليست الأصالة فوضى لمجرد الفوضى؛ بل هي «نزاهة الروح». هي إدراك أن ذاتك «الخام» أكثر إثارة للاهتمام وعمقاً من النسخة المنقحة والمعقمة. وبينما قد يمنحك «الفلتر» المزيد من «الإعجابات»، فإن الأصالة وحدها هي التي تمنحك «الاحترام» الحقيقي والتواصل الإنساني الصادق.
قوة الهشاشة البشرية
غالباً ما نخلط بين الكمال والقوة، لكن الحقيقة هي العكس تماماً. الكمال هو درع نستخدمه لنحمي أنفسنا من أحكام الآخرين. أما الهشاشة (Vulnerability)، فهي الجسر الذي يسمح للآخرين برؤية أنفسهم فينا.
عندما نسقط القناع والمظهر الخارجي المتكلف، نخلق مساحة للتعاطف. نُذكّر العالم بأنه لا بأس أن نكون «أعمالاً قيد الإنجاز». إن أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ لم يكونوا مثاليين، بل كانوا صادقين بشأن بشريتهم.
خاتمة: ما وراء الشاشة
يخبرنا العصر الرقمي أن قيمتنا تتحدد بمدى جودة منشورنا الأخير. يجب علينا رفض هذه السردية تماماً. أنت لست علامة تجارية يجب إدارتها؛ بل كائن بشري يجب معايشته وتجربته.
بينما تتنقل في هذا العالم «المفلتر»، تذكر أن عيوبك ليست أخطاء تقنية (Glitches)، بل هي خصائصك المميزة. هي ما يجعلك فريداً، وقريباً من النفس، وحقيقياً. في عالم مليء بالنسخ الكربونية المكررة، أكثر شيء ثوري يمكنك القيام به هو أن تكون نفسك.
توقف عن مطاردة «المثالي»، وابدأ في احتضان «الحقيقي»