تحديثات الأخبار

بقلم الدكتورة بلقيس عثامنة - الاردن 

تمثل رواية عراقي في باريس شكلًا من أشكال تداخل الأجناس الأدبية، التي يلجأ إليها الأديب حتى تعبر عن رؤاه وذاته المتشظية في ظل العالم المتسارع، والذي يحوي تحولات ولا مركزية في كل شيء، ما انعكس على الأدب وأدى إلى تداخل في الأجناس، وهذه الرواية بصمة للشاعر في عالم ما بين الرواية والسيرة الذاتية.

         تعرض صفحات الرواية وقفات مع خيبات وآلام وذكريات صموئيل شمعون، في درب حلمه الأول، وأرضه الأولى ورحلته الأولى إلى أن أضحى لاجئ في منتصف الطريق ما بين الشرق وأمريكا، الحلم الصغير، إن أبرز سمات العمل، المصداقية الواضحة والتي تشي بتصالح بين الذات والتجربة، على قساوتها ومرارة عذاباتها، لكن الكتابة لم تمنع هذه الذات من التصريح بكل هذه العذابات، وقدمت واقعها دون تجميل أو تشجذيب، عارضة الخيبات، والآلام، والسذاجة، والنضج، والتعذيب، والفقر، والتشرد، والإدمان على الكحول، والعلاقات النسائية الكثيرة، دون مواربة أو تجميل.

         وبرأيي، هذا ما يميز الرواية الممتزجة بالسيرة الذاتية عن غيرها من الأعمال الأدبية، إذ تكتب بصوت الكاتب وبإعلانه عن تجربته وخيباتها، وتعرض لآلامه بمصداقية وتصالح مع الذات، وهنا يكمن الذكاء لدى الأديب، وبهذه الطريقة انتشرت الرواية وذاع صيتها في الأقطار؛ لأنها تحمل رحلة شاب عراقي عربي لا يمتلك أي انتماء في أزمة الدين والسياسة، ويلاحق حلمًا صغيرًا متجردًا من كل الأثقال عدا هذا الحلم الذي ربما كان إيكسير الحياة له، وسبب مجابهته المصاعب، فكان يثبت عقله في لحظات التشرد في شوارع باريس.

         يقول في الرواية: "منذ فترة طويلة وأنت تعيش بلا مأوى، أعتقد أن هذا الوضع يسبب لك الكثير من الآلام، هل يمكن أن تخبرني كيف تتعامل مع هذه الآلام؟

«أؤجلها» أجبت بسرعة، نعم أحاول أن أؤجل آلامي إلى وقت آخر... لقد اكتشفت منذ البداية، أنه عندما يجد الانسان نفسه ملقى في الشارع، فإنه لن يكون أمامه إلا أن يلعب دور شهرزاد. عليه أن يؤجل الألم. على المشرد أن يكون ذكيا مثل شهرزاد ألف ليلة وليلة، أن يروي أحلامه وأوهامه ليغوي أسفلت الشوارع، ومصاطب الحدائق العامة، ومحطات القطار، ورياح الشتاءات القاسية وكذلك معدته، حينها سيرى المصاطب وقد أصبحت فراشا من ريش النعام والريح الباردة ستمر من حول جسده بدفء وحنان."([1]) بهذا الاقتباس يختزل الشاعر معاناته ويعرض عميق ألمه وخوفه، فهو يجابه الموت كل يوم بتسلية نفسه، والموت هنا رمزي، يمثل موت الأحلام، ويدلل على تأجيل أحلامه، أن السرد نجاة وجودية بالنسبة للذات.

         إن رواية عراقي في باريس، تمثل صورة من أدب المهجر الحديث، وتعكس فضاءً واسعًا من المشكلات التي يواجهها العربي في أرض المهجر، فيعضر صموئيل للوصية الأولى التي تلقاها عند هجرته، ومرات متكررة: "لا تثق بالعرب"، وهنا تأتي أزمة العربي، وثقل عروبته، وهذا يشي بصعوبة التجربة، وكأن العداوة تزداد في أرض المهجر، ولكن كان الكاتب من الذكاء بقدر، فقد ذكر الوصية، وذكر مواقف العرب معه، التي تشي بالشهامة في حين، وبالخيانة في آخر، وهذا ديدن الإنسان وطبيعة الحياة، وتكمن القضية المتصلة بالعرب في المهجر من خلال الرواية، والتي اشترك فيها كل العرب، الحرية الجسدية والحياة المفتوحة على كل الاحتمالات، فحياة المجون متاحة، وهذا ما تصوره الرواية.

         ومن القضايا الهامة التي تضيئها الرواية، مأساة حلم العربي الذي يترك خلفه كل شيء، مقابل الواقع المؤلم الذي يعيشه في المهجر، فهو يظن أن الطريق معبد والغرب بانتظاره حتى يحقق ما أحلامه، لكنه في اللحظة الأخيرة، وعندما يتخلى عن كل شيء مقابل الأحلام يجد الواقع مؤلمًا، وعليه مجابهة الغياب والفقد بروح قوية.

         تتطرق الرواية للتابوهات الثلاث، بشفافية روح صموئيل، الذي عرض الموضوعات دون أن يدخل في التفصيلات، لكنه عرض لكل منها بطريقته ومن خلال تجاربه، ومن بؤرته كسارد عن الأشخاص من حوله، حتى يوثق هذه الموضوعات بروح شخص يعيش الحرية الغربية وبمقدوره التحرر من تابوهات عالم عربي، يكثر منها تحت ستار الليل، ويُتَلَذّذ بالشعارات في النهار، كما تصف الأعمال الإبداعية.

         تعرض الرواية لعذابات الروح، فقدان الأمل، وضياع الشغف، وحالة التشظي والتيه التي تعيشها الذات عندما تواجه الواقع الأليم، وترتسم أمامها وجهات لم تكن أبدا هي الحلم، فتتعرف على ثقافات وأشخاص وتجارب جديدة، تغير من نظرتها وبالتالي كتب الأديب عذاباته، فهو لا يكتب أدبًا للذة، بقدر ما يضع شذرات من طريقه غير المعبد أمام القارئ، الذي يكشف له عن ذاته الهشة، وأزمة الوطن التي يعيش، والامتزاج الثقافي، نتيجة الهجرة والأفلام، ما جعله عابرًا بطريقة سينمائية، يصف المشاهد بروح مخرج ويعرض الحياة بمأساتها لا بجمالها.

         قال صموئيل شمعون ذات لقاء "إن السينما التي أحب أثرت في طريقة تفكيره"، وبالتالي، أظن، أن السينما هي العزاء لنفسه في كل ما عاشه، فالرواية بسيميائيتها تعرض خيبته منذ بدايتها، وتعطي النتيجة قبل أن يعرف المتلقي عمق الحلم، وبالتالي يشعر المتلقي بالأذى الذي تعيشه هذه الذات، وبرحلتها الطويلة من السعي، دون جدوى، فيتبادر السؤال: هل تستحق الأحلام كل هذه الخسارات والتشرد والضياع والفقد؟

         باعتقادي، وبناءً على حالات التوتر التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط بين حين وآخر، يضطر فيها عدد من الحالمين للبحث عن الملاذ الآمن هناك في أرض الحرية، فتكون الخسائر فادحة من الجوانب النفسية والاجتماعية، وحتى يفقد الإنسان الوطن، ويبحث عن ذاته، فيجدها في الكتابة والثقافة، وهنا تظهر المثاقفة، ويمتزج عالم قديم بآخر جديد يشرع بابه دون تابوهات، فتجد الذات نفسها ثنائية الهوية الثقافية.

         وهذا ما حدث، بالنسبة للرواية التي بين يدي الدراسة، فالهوية القديمة تظهر سذاجة الطفل وأحلامه الكبيرة وفقره وألمه وحبه البريء، في مقابل العالم الجديد الذي حلم به، فخاب ظنه وخسر كل ما امتلكه من حلم ومن أمان، فعاش حالة التيه والتشرد، هذا الألم العظيم، وفي كل مرة كان يجد ملاذه في الآلة الكاتبة وفي عالم الكتابة، فكانت هويته وأصبحت ملجأه، فلا يأبه بالعالم من حوله طالما يده تخط الأحلام، وبالتالي تظهر الرواية رحلة البحث عن الذات، والولادة الجديدة التي تمر بألم المخاض وقساوة الطريق على هذه الروح التي تحولت بكل ما تمتلك بين جوانحها من ألم إلى قلب دفن في مقبرة الحلم.


 شمعون، صموئيل، عراقي في باريس، لبنان، الدار العربية ناشرون، 2012م، ص 122.

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

اشترك في نشرة اخبارنا