تحديثات الأخبار

بقلم الأديبة د.سناء عز الدين عطاري - القدس

مقدمة

بدأت الرواية العربية المعاصرة بداية صراع بين الأخذ من الأشكال القصصية في التراث العربي القديم وبين الأخذ من الأشكال القصصية الغربية الحديثة، وذلك على أساس الاختلاف الفكري لدى الأدباء والنقاد العرب أنفسهم، حيث لاحظ العديد من النقاد والأدباء العرب أن المحاولات القصصية العربية المعاصرة بشتى أنواعها جاءت في النصف القرن الثاني من القرن الماضي، وقد تأثرت بعاملين أساسيين، هما: أصالة الموروثات القديمة كالمقامة والقصص الشعبي والحواديت والمدون والمروي من الملاحم، والأعمال الروائية المشهورة في الآداب الغربية الحديثة (صالح، 2017).

فبدراسة من التاريخ للآداب نطلع على أن الرواية العربية كانت موجودة لدى العرب في العصر العباسي. ومن أمثال ذلك تلك القصص: كتاب البخلاء للجاحظ، وكتاب كليلة ودمنه لابن المقفع، وكتاب ألف ليلة وليلة لكاتب مجهول. ولكن في ذلك الوقت لم يكن هذا الفن معروفا باسم الرواية.

وفي الحقيقة تعود نشأة الرواية - بشكلها الأدبي -إلى الاتصال والتأثر المباشر بالغرب بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وجاءت على أيدي بعض المثقفين اللبنانيين والسوريين والمصريين- الذين زاروا الغرب ونهلوا من مناهلها العلمية والثقافية -مترجمة معظمها من الفرنسية وبعضها من الإنجليزية.

ولعل أول محاولة لنقل الرواية الغربية إلى عالم الرواية العربية لرفاعة رافع الطهطاوي في ترجمته لرواية «فينيلون«Fenelon، « مغامرات تليماك« بعنوان »مواقع الأفلاك فى أخبار تليماك«، وقد جمع فيه كثيرا من الآراء  والخبرات في التعليم والتربية والسياسة (طاهر، 2016).

وطفقت الرواية تتطور بشكل سريع في القرن العشرين إنتاجا وابتكارا، وكانت الرواية العربية قبل الحرب العالمية الأولى على حالة من التشويش والبعد عن القواعد الفنية، وكانت أقرب ما يكون إلى التعريب والاقتباس حتى ظهور رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل (1914 م) التي اتفق النقاد على أنها بداية الرواية من حيث الفن، والتي عالجت الريف المصري. 

وعقب الحرب العالمية الأولى ومع بداية الثلاثينات من القرن العشرين بدأت الرواية تتخذ سمة جديدة أكثر فنية وأعمق أصالة، وظهرت مع جميع قواعدها وعناصرها الفنية، وكان ذلك على يد مجموعة من الكتاب الذين تأثروا بالثقافة الغربية أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وعيسى عبيد والمازني ومحمود تيمور وغيرهم.

فقد نقلت روايات الأربعينات والخمسينات الإبداع الروائي في الأدب العربي نقلة جديدة، ومن أبرز كتاب هذه الفترة عبد الحميد جودة السحار ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، إلا أن الروائي نجيب محفوظ يعدّ سيّد هذا الميدان من غير مدافع، فرواياته" خان الخليلي "و "زقاق المدق"، والثلاثية تمثل رؤية جديدة أضافت إلى أجواء الرواية عوالم أرحب وأوسع .وفي الستينات من القرن العشرين بدأ نجيب محفوظ يبدع عالما روائيا جديدا مستخدما تقنيات أكثر إبداعا وأكثر تعقيدا، وتقف رواياته" اللص والكلاب"،" السمان والخريف"،" الطريق "و"الشحاذ "و"ثرثرة فوق النيل "معلما بارزا في مسيرة الرواية الجديدة، وذلك أن المضامين الاجتماعية التي عني بها من قبل امتزجت بها في هذه المرحلة مضامين فكرية وإنسانية ونفسية احتاجت إلى شكل روائي أكثر فنية من مرحلته السابقة.

وقد أجبرت هزيمة عام 1967 م الروائي العربي إلى إعادة النظر في تيار الرواية، الذي كان سائدا قبل الهزيمة، فظهرت من ثم أنماطا روائية جديدة، فيها ثورة على الأساليب التقليدية، كالحبكة والبطل والسرد التاريخي.

وكانت لنجيب محفوظ إضافة لا تنكر في هذه المرحلة .ظهر بعد ذلك جيل من الروائيين العرب، سمي بالحداثين، خرجوا على رؤية الرواية التقليدية وتقنياتها .وعلى أيدي هؤلاء الكتاب مثل: صنع الله إبراهيم، وحنا مينا، وجمال الغيطاني، وإدوار الخراط، والطيب صالح ،وبهاء طاهر، وإميل حبيبي، والطاهر وطار، وعبدالرحمن منيف، وغيرهم ظهرت رؤية روائية أجمل اتجاهات معاصرة وحداثية مختلفة، ومن أهم سماتها أن الخطاب الروائي تجاوز المفاهيم التقليدية حول الرواية في عصورها الكلاسيكية والرومانسية والواقعية الجديدة، وتداخلت أساليبها مع تداخلات العالم الخيالي والواقعي والتاريخي، مما جعلها سواء في حبكتها أو شخوصها، أكثر تعقيدا وأعمق تركيبا. فبذلك وصلت الرواية العربية إلى دنيا النص المفتوح الذي يفضي إلى قراءات متعددة لاتصل إلى تفسير نهائي للخطاب الروائي، كما كان الحال في الروايات السابقة. 

بدايات تشكل الرواية العربية

شغلت مسألة نشأة الرواية العربية الحديثة حيزا هاما في مجال الدراسات الأدبية والنقدية؛ إذ تعدّدت آراء النقاد والباحثين حول البدايات الفعلية لظهور هذا النوع الأدبي في الساحة الأدبية العربية، فمنهم من يرى أنها ظهرت نتيجة تأثرها بالآداب الغربية، ومنهم من يرى أنها تمتد بجذورها إلى الموروث السردي العربي، وقد توصل عبد الله إبراهيم إلى أن الرواية العربية كانت نتيجة تفكك وانهيار المرويات السردية التراثية، فمن فن المقامة تشكلت الرواية العربية واتخذت خصوصياتها الفنية والأجناسية التي تميزها عن غيرها من الأنواع الأدبية الأخرى( لواج، 2022).

وقد استغرب روجر آلان  (Roger Allan ) من أن مصدراً مهماً  كرواية: ألف ليلة وليلة من مصادر الإلهام القصصي، وهي أعظم مجموعة قصصية في العالم، قد أهمل وبقي خارج الصورة، وذلك خلال المراحل الأولى لتطور الرواية العربية على الأقل، ثم أشار إلى أن نسخ ألف ليلة وليلة كانت نادرة جداً، وفي مصر على الأقل، خلال المراحل الأولى لتطور الرواية لمرحلة النهضة، وعلل ذلك الندرة، وقلة اهتمام رجال الأدب بهذه الحكايات إلى سبب عام، وهو: أن حكايات ألف ليلة وليلة كانت مجموعة من الحكايات السَّردية التي تُروى شفاهة، ويمكن للمرء أن يفترض بأن النسخ المكتوبة الموجودة لم يكن الهدف منها في الواقع إلا تذكير الرواة أنفسهم بأحداث الحكايات، وليست مجموعة يفترض أن يقرأها القراء على نطاق واسع، ولقد كان المجتمع عامة يعتبر حكايات ألف ليلة وليلة جزءاً من الثقافة الشعبية، فضلا عن ذلك الموقف، بقيت هذه الحكايات التي نالت شهرة عالمية وكان لها تأثير عميق وطويل الأجل في الآداب الغربية، وظلت محصورة في العالم السفلي في الأقطار العربية نظراً إلى ذلك الموقف المتشدد من جانب المؤسسات اللغوية التي تعطي وزناً وقيمة ثقافية هائلة للغة الثقافة العليا خاصة للنصوص الدينية والأدبية؛ بينما تنكر بصورة عامة تامة أي قيمة للتعبير باللهجات العامة.

ومن هنا نجد أن الحديث عن الرواية العربية المعاصرة مرهون ومشحون بإرهاصات المورثات القديمة، والحديث عن إرهاصات القصة العربية في التراث يُعد الحديث نفسه عن ارهاصات نشأة الرواية العربية المعاصرة؛ لأنه قد أشير واعتبر إلى أن الرواية والقصة يمثلان تياراً واحداً لتقارب الرؤى بينهما، ومن ثم فإن الحديث عن نشأة القصة يعني الأطراف الأخرى أيضاً (صالح، 2017).

المراجع:

1- صالح، أسامة (2017). أصالة الرواية العربية المعاصرة عبر التراث والمعاصرة: دراسة تحليلية، مجلة الدراسات اللغوية الأدبية، 8(2)، 244- 265.

2-لواج، أحلام (2020). نشأة الرواية العربية وخصوصياتها الفنية في كتابات" عبد الله إبراهيم"، مجلة الآداب واللغات، 6 (12)، 251 – 269.

3-طاهر، نسرين (2016). الرواية العربية الحديثة وتطورها، مجلة تهذيب الأفكار، 3(1). 207- 217.

رابط المصدر: https://marenapost.com/ar/news/3807

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

اشترك في نشرة اخبارنا