العنف والجريمة في المجتمع العربي داخل مناطق الـ48: أزمة تتفاقم وتحدٍّ يتطلب تدخّلًا عاجلًا
بقلم اسماعيل عثمان أبو غوش- القدس

يشهد المجتمع العربي داخل مناطق الـ48 تصاعدًا خطيرًا ومقلقًا في وتيرة العنف والجريمة، في ظل استمرار جرائم القتل واتساع نفوذ العصابات الإجرامية، ما حوّل هذه الظاهرة إلى واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المواطنين والقيادات المحلية على حد سواء، وطرح تساؤلات جدية حول دور الدولة ومؤسساتها في توفير الأمن وحماية الأرواح.
وبحسب معطيات متداولة، بلغ عدد ضحايا العنف في المجتمع العربي خلال عام 2025 نحو **255 مدنيًا**، فيما قُتل **21 شخصًا منذ بداية العام الجاري**، وهي أرقام تعكس حجم الأزمة واستمرارها دون مؤشرات حقيقية على تراجع أو معالجة جذرية. هذه المعطيات لا تمثل مجرد أرقام، بل تعكس واقعًا يوميًا من الخوف وانعدام الأمان يعيشه المواطنون في العديد من البلدات العربية.
إحدى القضايا التي هزّت الرأي العام مؤخرًا كانت مقتل **وفاء حصارمة**، مستشارة تربوية من بلدة البعنة في الجليل، داخل مركبتها، في جريمة أثارت صدمة واسعة وغضبًا عارمًا في الأوساط الشعبية. هذه الحادثة أعادت تسليط الضوء على خطورة انتشار السلاح غير المرخص، وعلى عجز المنظومة الرسمية عن حماية المدنيين، بمن فيهم العاملون في الحقل التربوي والاجتماعي.
ولا تقتصر مظاهر العنف على جرائم القتل فحسب، بل تمتد إلى **فرض الإتاوات** والتهديدات المسلحة التي تمارسها عصابات الجريمة المنظمة بحق أصحاب المصالح التجارية. ففي مدينة سخنين، أفاد مواطنون بتعرّض متاجر تعود للمواطن **علي زبيدات** لإطلاق نار في أكثر من مناسبة، على خلفية رفضه دفع مبالغ مالية لعصابات إجرامية، في مشهد بات يتكرر في عدد من البلدات العربية، ويؤدي إلى تقويض النشاط الاقتصادي وإغلاق مصادر رزق لعائلات كاملة.
وتشير تقارير ومتابعات محلية إلى تنامٍ ملحوظ في نشاط عصابات الجريمة المنظمة، التي تمتلك كميات كبيرة من السلاح وأموالًا طائلة، ما يمنحها قدرة على فرض نفوذها بالقوة، وتهديد الأمن الشخصي، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. الأخطر من ذلك، بحسب ناشطين ومتابعين، هو **تغلغل بعض هذه العصابات داخل بلديات ومجالس محلية**، ومحاولتها السيطرة على مناقصات وأعمال تابعة للسلطات المحلية، الأمر الذي يشكل خطرًا مباشرًا على الحكم المحلي وسيادة القانون.
أمام هذا الواقع، شهدت مدينة سخنين مؤخرًا **تظاهرة حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف**، احتجاجًا على تفشي العنف والجريمة، إلى جانب وقفات احتجاجية في بلدات عربية أخرى. ورفع المشاركون شعارات تطالب الحكومة بتحمل مسؤولياتها الكاملة، واتخاذ خطوات عملية وفورية لمحاربة الجريمة المنظمة، والحد من انتشار السلاح، ومحاسبة الشرطة على ما وصفوه بالتقاعس المستمر في فرض النظام وتوفير الأمن.
ويرى مختصون أن التعامل مع هذه الأزمة لا يمكن أن يقتصر على الحلول الأمنية وحدها، بل يتطلب **سياسة شاملة ومتكاملة**، تشمل تعزيز تطبيق القانون، وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة، وتجفيف مصادر تمويلها، إلى جانب استثمارات اجتماعية واقتصادية في التعليم، والتشغيل، والخدمات، بما يعالج جذور الظاهرة ويعيد بناء الثقة المفقودة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
إن استمرار هذا الوضع دون تدخل جدي وفعّال يهدد النسيج الاجتماعي للمجتمع العربي، ويضع مستقبل أجيال كاملة على المحك، ما يجعل من محاربة العنف والجريمة أولوية وطنية لا تحتمل المزيد من التسويف.