تحديثات الأخبار

بقلم منار مناصرة _وكالة مارينا بوست للانباء_فلسطين 

في الجهة الغربية من مدينة بيت لحم، حيث تتناغم التلال مع الوديان، تقع قرية وادي فوكين، قرية صغيرة في مساحتها، عميقة في جذورها، عصية على النسيان. ليست وادي فوكين مجرد اسم على خريطة فلسطين، بل ذاكرة حيّة ونص مفتوح كتبته أيدي الفلاحين وسقوه بعرقهم.

وادي فوكين: أكثر من مجرد جغرافيا

وادي فوكين ليست قرية عابرة، بل حالة إنسانية كاملة تختصر حكاية الأرض الفلسطينية: الجمال المسلوب، وهدم المنازل، والحصار المستمر للمستوطنات، والمقاومة الصامتة التي تتجسد في شجرة زيتون، عين ماء، أو فلاح يصر على الحراثة رغم كل شيء.

تتشابك التلال الخضراء مع السماء الزرقاء، وتمتد الأراضي الزراعية الخصبة التي تحمل عبق التاريخ، حيث ينعكس ضوء الشمس على برك المياه المتلألئة، فتبدو الأرض لوحة مائية حية تنبض بالحياة.

وادٍ يشبه القصيدة

تقع القرية في حضن وادٍ أخضر ممتد تحيط به التلال من جميع الجهات، ما يجعل اسمها أكثر من مجرد وادٍ؛ بل نمط حياة ومسار تاريخ، وعلاقة عميقة بين الإنسان والطبيعة.

تُعرف التضاريس المتدرجة بإنشاء مصاطب حجرية بُنيت على مدى مئات السنين، وهي شهادة حضارية على مهارة الفلاح الفلسطيني في التكيف مع الطبيعة دون تدميرها. تنتشر في القرية عيون الماء الطبيعية التي شكلت شريان الحياة للفلاحين، وما زالت بعض هذه العيون تتدفق حتى اليوم لتغذي الحقول بأشجار الزيتون، التين، اللوز، العنب والرمان.

الزراعة: هوية وأرض وحياة

الزراعة في وادي فوكين ليست مجرد مهنة، بل هوية متأصلة؛ الفلاح يعيش الأرض ويصادق المواسم ويحفظ مواعيد المطر وأسماء أبنائه. الأراضي خصبة ونقية، والزراعة عضوية بالفطرة، تنتقل المعرفة الزراعية شفهيًا من جيل إلى آخر. في مواسم الحصاد، يتحول الوادي إلى لوحة حيّة: خضرة تمتد، فلاحون ينحنون للأرض، ونساء يجمعن المحصول، وسط أصوات ضحك وعصافير.

التهجير والعودة: فصل من تاريخ فلسطين

في يوليو 1949، تعرضت القرية للتهجير القسري من قبل الجيش الإسرائيلي، تاركة خلفها أحلام الناس وحكاياتهم وأشجار الزيتون العتيقة. ومع تعديل خط الهدنة في أواخر العام نفسه، تمكن الأهالي من العودة إلى أراضيهم ومنازلهم، لتصبح وادي فوكين رمزًا للثبات وحق العودة.

القرية اليوم ليست مجرد مكان، بل درس حي في الصمود الفلسطيني، حيث تستمر الحياة والزراعة والذكريات، وسط التلال والينابيع، لتؤكد أن الأرض لا تنسى، وأن الجذور مهما اغتُصبت ستظل تنمو وتثمر.