بيت لحم تختنق… مولات تلمع فوق طرق مغلقة واقتصاد منهك
بقلم أ.يزن اللحام- بيت لحم - مخيم الدهيشة
تقرير استقصائي | بيت لحم
في بيت لحم، لا تبدو الأزمة الاقتصادية مجرد أرقام تُذكر في التقارير.
هي ازدحام يومي عند مداخل المدينة، طريق مغلق فجأة، حاجز يبطئ الحركة، وساعة إضافية يقضيها الموظف في محاولة الوصول إلى منزله.ورغم هذا الواقع الضاغط، تتصاعد في أطراف المدينة مبانٍ حديثة بواجهات زجاجية لامعة: مولات تجارية تعكس صورة مدينة عصرية… لكن داخل مدينة تختنق.
مدينة تعتمد على السياحة… وتتعثر مع كل إغلاق
لطالما شكّلت السياحة العمود الفقري لاقتصاد بيت لحم، خاصة مع وجود كنيسة المهد التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. لكن مع تصاعد التوترات والحرب والإغلاقات المتكررة، تتوقف عجلة السياحة فجأة.
الفنادق تخفّض طاقتها التشغيلية، المطاعم تقلّص عدد العاملين، ومتاجر التحف في البلدة القديمة تبقى لساعات طويلة دون زبائن.كل إغلاق لا يعني فقط تراجعاً في الحركة، بل ضربة مباشرة لدخل مئات العائلات.
تحيط المستوطنات بالمدينة من عدة جهات، فيما يقف الجدار الفاصل والحواجز العسكرية كعوامل يومية تعيد رسم خريطة الحركة.
النتيجة:
- اختناقات مرورية متكررة.
- صعوبة وصول العمال إلى أماكن عملهم.
- تأخر البضائع.
- أحياء سكنية يصعب الوصول إليها في أوقات الإغلاق.
يقول أحد السكان:
"أحياناً أحتاج وقتاً أطول للوصول إلى منزلي داخل المدينة مما أحتاجه للسفر بين مدينتين."
أزمة الطرق لم تعد مجرد إزعاج يومي، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مؤثر يستهلك الوقت والوقود والدخل.
مولات حديثة… لكن رأس المال من خارج المدينة
في ظل هذا الواقع، شهدت بيت لحم افتتاح مراكز تجارية حديثة، تعود ملكية معظمها إلى مستثمرين من خارج المدينة.
هذه المشاريع توفر فرص عمل، لكنها تطرح تساؤلات جوهرية:
- إلى أين تذهب الأرباح؟
- هل يُعاد استثمارها داخل بيت لحم؟
- أم أن دورة المال المحلية تبقى ناقصة؟
خبير اقتصادي محلي يوضح:
"عندما يكون رأس المال خارجياً، فإن جزءاً كبيراً من الأرباح يغادر المدينة، بينما يبقى الضغط على البنية التحتية والخدمات محلياً."
قلة الدخل… واستهلاك محدود
الواقع المعيشي في بيت لحم يتسم بارتفاع البطالة، خاصة بين الشباب، واعتماد كبير على دخل موسمي مرتبط بالسياحة.
كثير من العائلات تزور المولات للتنزه فقط، لا للتسوق.
المقاهي تمتلئ أحياناً، لكن المحال التجارية تشهد حركة شراء حذرة.
الإنفاق أصبح موجهاً نحو الأساسيات، فيما تتحول زيارة المول إلى محاولة قصيرة للهروب من أجواء التوتر والضغط اليومي.
بين الواجهة الحديثة والواقع الصعب المفارقة واضحة:
مبانٍ حديثة ترتفع في مدينة تعاني من أزمة طرق، إغلاقات متكررة، انتشار استيطاني، وتراجع في الدخل.
المولات ليست سبب الأزمة، لكنها تكشف تناقضاً عميقاً بين صورة التنمية ومقوماتها الفعلية.
فالتنمية لا تقاس بعدد الواجهات الزجاجية، بل بقدرة السكان على الوصول إلى منازلهم بسهولة، والعمل باستقرار، وإنفاق دخل يواكب كلفة الحياة.
الخلاصة
بيت لحم اليوم ليست مدينة راكدة، بل مدينة تحاول التكيّف تحت الضغط.
لكن بين الحواجز والازدحام، بين رأس المال الخارجي والدخل المحدود، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يمكن لمدينة محاصرة جغرافياً ومثقلة بأزمة بنية تحتية أن تبني اقتصاداً مستداماً؟
أم أن المولات ستظل تلمع… فيما تستمر المدينة بالاختناق؟
