عيدُ الأم: حين يغدو "الاحتفال" قناعاً للعولمة وتغدو "الأم" وطناً من جراح
بقلم: ايناس صيام
في الحادي والعشرين من آذار، يهرع العالم نحو طقوس مُعلبة، مُغلفة بأوراق الهدايا الملونة، فيما تسميه العولمة "عيد الأم". هذا اليوم الذي بات يتخذ شكلاً تجارياً فجاً، يختزل قدسية "الأمومة" في أربع وعشرين ساعة من الاحتفاء الصاخب، وكأننا نمنح أنفسنا صك غفران عما اقترفناه من جفاء طيلة العام.
فلسفة الاختزال: هل الأم يومٌ أم دهر؟
إن الحقيقة المرة وراء هذه الاحتفالية تكمن في تماهيها مع فكر العولمة الذي يسعى لتفكيك الروابط الأسرية العميقة واستبدالها بروابط "مادية" عابرة. إن حصر التقدير في تاريخ محدد هو دعوة مبطنة للتخلي عن المسؤولية اليومية تجاه الأم، وتحويل برها إلى واجب موسمي ينتهي بانتهاء مفعول "بطاقة المعايدة". نحن لا نحتاج يوماً للأم، بل نحتاج "عُمراً" نعتذر فيه عن قصورنا تجاه من هي أصل الوجود.
الأم الكبرى: صرخة الأرض في زمن الأوبئة والحروب
لا يمكننا الحديث عن الأم بمعزل عن "الأم الأرض"، تلك التي تئن اليوم تحت وطأة صراعات الإنسان وعبثه. فمن فيروسات فتكت بالبشرية، إلى حروب استنزفت الموارد، نجد الأرض تعاني كما تعاني الأم تماماً من جحود أبنائها. إن معايدتنا الحقيقية تبدأ بحماية هذه الأرض، وصون طهرها من دنس التلوث والحروب التي لا تُبقي ولا تذر.
الأم العربية: أيقونة الصبر والجلد
وإذا ما نظرنا إلى واقعنا، نجد "الأم العربية المكلومة" هي العنوان الأبرز للتضحية. هي التي لم تكتفِ بتربية الأجيال، بل كانت وما زالت حامية الهوية وحارسة القومية. نراها في كل بيت عربي أصيل، تتحمل شظف العيش، وتقاوم غبار النسيان، صابرةً محتسبة، تجلد بصمودها وجه الظلم.
إلى "الخنساء" المعاصرة: الأم الفلسطينية

وخصيصاً، نتوقف بإجلال أمام الأم الفلسطينية؛ تلك المعجزة الحية التي أعادت تعريف الأمومة. هي ليست مجرد "أم" بالمعنى البيولوجي، بل هي "الفداء" المتجسد. هي التي تُودع فلذة كبدها بالزغاريد، لا لأن قلبها من حجر، بل لأن حبها للوطن (الأم الأكبر) فاق حبها لذاتها.
تقدم الأم الفلسطينية دماء أبنائها قرابين على مذبح الحرية، صامدة أمام آلات الدمار، محتفظة بجلدٍ وتجلّدٍ يذهل العالم. إنها الأم التي لا تنتظر وردة في آذار، بل تنتظر فجراً يحرر ترابها، فهي التي تعطي للوجود معناه، وللعروبة كرامتها.
خاتمة
إن عيدنا الحقيقي ليس في تبادل الهدايا، بل في العودة إلى الجذور، وفي إدراك أن الأمومة موقف وكرامة، وأن البرّ هو فعلٌ يومي لا تضبطه ساعات العولمة. فسلامٌ على الأم الأرض، وسلامٌ على الأم العربية الصابرة، وألف سلام على الأم الفلسطينية التي تلد الأحرار وتصنع التاريخ.