تحديثات الأخبار

في قلب الشمال الفلسطيني، وعلى تلالٍ تتعانق فيها الجغرافيا مع التاريخ، تتربّع بلدة سبسطية شمال غرب مدينة نابلس، كواحدة من أجمل القرى الفلسطينية وأكثرها ثراءً بالموروث الحضاري والإنساني. سبسطية ليست مجرد بلدة هادئة تحيط بها كروم الزيتون، بل صفحة مفتوحة من التاريخ الفلسطيني المتواصل، وشاهد حيّ على تعاقب الحضارات التي مرّت على هذه الأرض منذ آلاف السنين.

موقع جغرافي وتاريخ ضارب في القدم

تقع سبسطية على بُعد نحو 12 كيلومتراً شمال غرب نابلس، وتشرف من موقعها المرتفع على مساحات واسعة من السهول والجبال المحيطة ، هذا الموقع الاستراتيجي جعل منها مركزاً مهماً عبر العصور، بدءاً من الكنعانيين، مروراً بالعصور الرومانية والبيزنطية، ثم الإسلامية، وصولاً إلى يومنا هذا.  

عرفت سبسطية قديماً باسم "السامرة"، وكانت عاصمة المملكة الشمالية في العهد الكنعاني، قبل أن تتحول في العصر الروماني إلى مدينة مزدهرة حملت اسم "سباستيا" تكريماً للإمبراطور أغسطس.

معالم أثرية تحكي حكاية المكان

ما إن تطأ قدم الزائر سبسطية حتى يجد نفسه محاطاً بكنز أثري مفتوح ، فالأعمدة الرومانية المصطفة على جانبي الشارع الرئيسي القديم، والمدرج، وبقايا القصور والكنائس، تشكّل لوحة تاريخية نادرة في فلسطين ، ويُعدّ موقع النبي يحيى عليه السلام من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في البلدة ، حيث يقصده الزوار من داخل فلسطين وخارجها ، لما يحمله من رمزية دينية عميقة لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

كما تحتضن سبسطية أطلال قلاع وحصون تعود لفترات مختلفة، تعكس أهمية البلدة العسكرية والسياسية في الأزمنة القديمة، وتؤكد دورها كمركز حضري مؤثر في محيطه.

الإنسان… حارس الذاكرة

رغم ما مرّ على سبسطية من احتلالات وصراعات، بقي الإنسان فيها عنصراً أساسياً في الحفاظ على روح المكان ، يعمل أهالي البلدة، بالتعاون مع المؤسسات المحلية، على حماية المعالم الأثرية وصونها، في مواجهة محاولات الطمس والتهويد والاستيلاء. 

ويُعرف سكان سبسطية بارتباطهم الوثيق بأرضهم، حيث تشكّل الزراعة، وخاصة زراعة الزيتون واللوزيات، جزءاً أصيلاً من حياتهم اليومية واقتصادهم المحلي.

السياحة… فرصة وأمل

في السنوات الأخيرة، برزت سبسطية كوجهة سياحية واعدة، تجمع بين السياحة الثقافية والدينية والريفية ، فقد شهدت البلدة مبادرات شبابية ومجتمعية لإحياء السياحة الداخلية، من خلال إنشاء بيوت ضيافة صغيرة، وتنظيم جولات إرشادية، ومهرجانات تراثية تعكس الهوية الفلسطينية الأصيلة.

ورغم التحديات السياسية والأمنية، ما زالت سبسطية تستقبل الزوار والوفود، في رسالة واضحة مفادها أن الثقافة والتاريخ يشكلان خط دفاع متقدماً عن الوجود الفلسطيني.

سبسطية في الذاكرة الوطنية

لا يمكن النظر إلى سبسطية بوصفها موقعاً أثرياً فحسب، بل باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية ،  فالمعركة على سبسطية ليست فقط معركة حجارة وأعمدة، بل معركة رواية وهوية، في ظل محاولات الاحتلال نسب التاريخ لنفسه وتزييف الحقائق. 

ومن هنا، تبرز أهمية الإعلام الوطني في تسليط الضوء على البلدة، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمتها الحضارية والإنسانية.

مستقبل يتكئ على الماضي

اليوم، تقف سبسطية عند مفترق طرق بين ماضٍٍٍِ مجيد وحاضر مليء بالتحديات، ومستقبل يأمل أبناؤها أن يكون أكثر إنصافاً، فبرغم القيود المفروضة على الحركة والتنمية، لا تزال البلدة تنبض بالحياة، وتتمسك بحقها في التطور والحفاظ على إرثها الفريد.

في سبسطية، لا يزور المرء مكاناً عادياً، بل يدخل حكاية فلسطينية مكتملة الفصول، عنوانها الصمود، وجوهرها الإنسان، وعمقها تاريخ لا يمكن اقتلاعه، إنها بلدة صغيرة بحجمها، كبيرة برسالتها، وباقية ما بقيت هذه الأرض.

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

اشترك في نشرة اخبارنا

أخبار ذات صلة

إعلان