تحديثات الأخبار


ليست رحلة العمال الفلسطينيين إلى أعمالهم مجرد انتقالٍ يومي بين البيت ومكان الرزق؛ بل هي معاناة متواصلة تبدأ قبل طلوع الفجر ولا تنتهي إلا بعد غروب الشمس. رحلة مثقلة بالتعب والانتظار والقلق، لكنها في جوهرها حكاية صمود وإصرار على الحياة.

قبل تصاعد التوترات في أكتوبر 2023، شكّل العمل داخل إسرائيل أحد المصادر الأساسية للدخل لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، لا سيما في قطاعات البناء والزراعة، بفعل الفجوة الكبيرة في الأجور بين سوقي العمل الفلسطيني والإسرائيلي. إلا أن القيود المتزايدة وحرمان أعداد كبيرة من العمال من دخول أماكن عملهم أدّيا إلى انهيار مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

ومنذ ذلك الحين، بات العامل الفلسطيني يُنظر إليه كـ“خطر أمني” في دولة لا تعرف الرحمة؛ فإذا أراد التوجه إلى عمله، أصبح عليه أن يحسب عشرات الاحتمالات، بين أن يكون شهيدًا للقمة العيش، أو معتقلًا في سجون لا مفرّ منها. وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت ممارسات الاحتلال القمعية بحق أبناء الشعب الفلسطيني، في سياسات لا تعرف للإنسانية طريقًا.

العامل الفلسطيني هو ذاك الذي تحمّل الألم قبل أن يبدأ يومه؛ هو من ذاق مرارة الانتظار على الحواجز، وتجرّع خوف العبور ومهانة التفتيش. هو من خاطر بحياته وتسلق الجدار بحثًا عن فرصة رزق، ومن ركض بين الأشجار هاربًا من رصاصٍ يطارده فقط لأنه أراد العمل. هو من راهن بحياته ليؤمّن لقمة العيش لأسرته، وليحيا بكرامة، مثبتًا أن الكرامة لا تُهدى، بل تُنتزع بالصبر والتعب والإصرار. إنها حكاية صمود يومية، عنوانها التضحية، وبطولتها رجل خرج من بيته لا يبحث عن مغنم، بل عن حقه البسيط في الحياة والعمل.

وخلال الشهرين الماضيين، وخصوصًا في الأسابيع الأخيرة، شدّد الاحتلال إجراءاته لمنع وصول العمال الفلسطينيين إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر. ولم تعد المسألة مقتصرة على تضييق إداري أو تعقيدات تفتيش على الحواجز، بل تحوّلت إلى سياسة قمعية مباشرة، تدفع العمال قسرًا إلى البحث عن طرق بديلة بعد إغلاق المعابر وسحب التصاريح.

كثير من هؤلاء العمال، الذين لا يجدون خيارًا سوى تسلّق الجدار أو عبور المناطق الوعرة، يواجهون أخطر مراحل الرحلة عند اقترابهم من أماكن عملهم، حيث يُعاملون باعتبارهم “أهدافًا أمنية” بدلًا من كونهم عمّالًا يسعون لتأمين قوت يومهم. وفي تلك اللحظات، يصبح الرصاص الحي أو المطاطي أحد أدوات التعامل، ما يؤدي في حالات كثيرة إلى استشهاد عمال أو إصابتهم بجروح خطيرة تفقدهم قدرتهم على العمل مدى الحياة.

هذه الإصابات ليست عابرة؛ فكثيرًا ما تطال مناطق حساسة في الجسد، وتخلّف إعاقات دائمة، لتحوّل العامل من معيل لأسرته إلى حالة إنسانية وصحية معقّدة. وهكذا تتحوّل الطريق إلى العمل إلى رحلة محفوفة بالموت، يدفع ثمنها من خرج فقط ليؤمّن حياة كريمة لأبنائه.

ولم تقتصر آثار هذه السياسات على لقمة العيش، بل خلّفت واقعًا إنسانيًا قاسيًا؛ عائلات تفقد معيلها فجأة، وأطفال ينتظرون والدهم الذي لن يعود كما ذهب، ومجتمع يواجه أعباءً اقتصادية ونفسية متراكمة. وبين الخوف على الحياة والحاجة إلى البقاء، يواصل العمال محاولاتهم اليومية للوصول إلى أعمالهم، في مشهد يلخص قسوة المرحلة وحجم الثمن الذي يدفعه الفلسطيني مقابل حقه البسيط في العمل والعيش بكرامة.

لم تعد رحلة العمال الفلسطينيين معاناة انتظار على الحواجز أو عبور طرق وعرة فحسب، بل تحوّلت إلى مواجهة مباشرة مع الخطر. ومع تشديد القيود وحرمان آلاف العمال من تصاريح العمل، اضطر كثيرون للبحث عن طرق بديلة عبر الفتحات في الجدار والمناطق الوعرة أملًا بالوصول، غير أن هذه المحاولات غالبًا ما تُقابل بإجراءات قمعية تنتهي بإصابات خطيرة أو باستشهاد بعضهم.

ما يجري اليوم مع العمال الفلسطينيين يختصر واقعًا شديد القسوة؛ حيث يتحوّل السعي إلى لقمة العيش إلى مخاطرة بالحياة. ورغم الألم والخطر، يواصل العمال محاولاتهم لأن خيار التوقف غير متاح، ولأن الحاجة أقوى من الخوف. وهكذا تبقى هذه الرحلة اليومية شاهدًا حيًا على مرحلة تتجاوز حدود التضييق الإداري لتصل إلى تهديد مباشر للحياة الإنسانية.