كيف تتوقف عن مطاردة المثالية وتبدأ بالانطلاق؟
في عالمنا المهووس بالنتائج المبهرة والصور المصقولة، أصبح الكثيرون يقعون في فخ "المثالية" (Perfectionism). وعلى عكس ما يعتقده البعض بأنها سمة إيجابية تدفع للنجاح، يكتشف العلم والواقع أنها قد تكون أكبر عائق يحول بين الإنسان وبين تحقيق أهدافه.
1. المثالية مقابل التميز: ما الفرق؟
من الضروري التمييز بين السعي نحو التميز والسعي نحو المثالية:
-
السعي للتميز: يركز على العملية، ويتعلم من الأخطاء، ويهدف إلى بذل أفضل جهد ممكن.
-
السعي للمثالية: يركز على النتيجة النهائية فقط، ويخشى الخطأ كأنه كارثة، وغالباً ما يرتبط شعور الفرد بقيمته الذاتية بمدى كمال ما ينجزه.
2. كيف تعيق المثالية الإنجاز؟ (شلل التحليل)
المثالية هي المحرك الأول لظاهرة "التسويف". عندما يشعر الشخص أن العمل يجب أن يخرج بصورة كاملة لا تشوبها شائبة، يبدأ عقله بتأجيل البدء خوفاً من عدم القدرة على الوصول لهذا المستوى.
3. الثمن النفسي للمثالية
تُظهر الدراسات النفسية أن الشخصية المثالية أكثر عرضة للإصابة بالاحتراق النفسي (Burnout). لأن المثالي لا يشعر أبداً بالرضا؛ فبمجرد تحقيق هدف، ينتقل فوراً للبحث عن العيب التالي أو يضع سقفاً أعلى يستحيل الوصول إليه، مما يجعله في حالة دائمة من الإجهاد الذهني.
4. كيف نتحرر من هذا الفخ؟
الحل لا يكمن في إهمال الجودة، بل في تبني عقلية أكثر مرونة:
-
مبدأ "الإنجاز خير من الكمال": ابدأ بالعمل حتى لو لم يكن مثالياً. العمل الذي تم بنسبة 80% أفضل بكثير من العمل الذي ظل في خيالك بنسبة 100%.
-
احتضان الأخطاء: انظر للخطأ كـ "بيانات" تخبرك كيف تتحسن، وليس كـ "حكم" على شخصيتك أو قدراتك.
-
تحديد وقت للمهمة: المثالية تتمدد لتشغل كل الوقت المتاح. حدد وقتاً نهائياً صارماً لتجبر نفسك على إنهاء العمل بدلاً من الاستمرار في تعديل التفاصيل الصغيرة التي لا تُحدث فرقاً حقيقياً.
خلاصة القول:
الكمال لله وحده.
إن الإبداع يولد من رحم المحاولات الناقصة، والنجاح الحقيقي هو تراكم لمسودة أولى غير مُتقنة تلتها مسودة ثانية أفضل، حتى نصل إلى نتيجة نفخر بها.