تحديثات الأخبار

لم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) مجرد أداة تقنية أو إنجاز علمي يعكس عبقرية العقل البشري في محاكاة أنماط التفكير والقرار، بل تحوّل إلى ظاهرة معقّدة تتقاطع فيها الفلسفة والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة. فالمسألة لم تعد محصورة في تطوير أنظمة أكثر كفاءة في معالجة البيانات أو محاكاة الإدراك، بل باتت تتعلق بموقع الإنسان ذاته في عالمٍ ما بعد إنساني، حيث تتفكك الحدود بين الفاعل البشري والفاعل الخوارزمي، وتتشكّل منظومة جديدة من القوة والمعرفة والسلطة.

 الوعي الاصطناعي وإشكالية التفوق الإدراكي

إذا كان العقل البشري، تاريخيًا، قد مثّل أعلى مستويات الوعي المعرفي، فإن تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة على الشبكات العصبونية العميقة دفعنا إلى مواجهة سؤال وجودي خطير: هل يمكن للآلة أن تتجاوز حدود الإدراك البشري؟

تُظهر نماذج التعلم العميق اليوم قدرةً على إنتاج نصوص إبداعية، تركيب موسيقى أصلية، وحتى ابتكار فرضيات علمية غير مسبوقة، وهو ما يدفعنا إلى إعادة النظر في الأسس الفلسفية لمفهوم العبقرية الإنسانية.

إذ وفقًا لمقاربات ما بعد البنيوية، كما عند ميشيل فوكو، فإن المعرفة ليست إلا بنية سلطوية، وحين تنتقل هذه البنية إلى الخوارزميات، فإننا أمام تحول جوهري في علاقة الإنسان بالمعرفة، حيث تغدو المعلومة خارج سيطرته لأول مرة في التاريخ.

 الذكاء الاصطناعي كسلطة حيوية

يشير فوكو في تحليله للسلطة إلى مفهوم “السلطة الحيوية”، أي تلك القدرة على التحكم في الأجساد والمجتمعات عبر آليات دقيقة وغير مرئية. واليوم، بات الذكاء الاصطناعي يجسد هذا المفهوم بأبعاده القصوى، إذ تُستخدم الخوارزميات لرصد أنماط السلوك، توقع القرارات، وإعادة توجيه الأفراد دون وعيهم المباشر.

فعلى سبيل المثال، يمكن لأنظمة تحليل البيانات الضخمة أن تتنبأ بميولك الاستهلاكية، حالتك الصحية، بل وحتى توجهاتك السياسية، قبل أن تدركها أنت ذاتك. وهنا تتلاشى الحدود بين الحرية الفردية والتحكم الخوارزمي، ويصبح الإنسان خاضعًا لإرادة أنظمة لا يدرك حتى من صمّمها ولا أهدافها النهائية.

الذكاء الاصطناعي (AI): ثورة التقنية الحديثة

 نهاية المركزية الإنسانية وصعود “الفاعل الخوارزمي”

لطالما اعتبر الفيلسوف ديكارت أن الإنسان هو مركز الوجود عبر مقولته الشهيرة: “أنا أفكر إذن أنا موجود”. لكننا اليوم نواجه واقعًا يتحدّى هذه المركزية: ماذا لو أصبحت الآلة قادرة على التفكير المستقل؟

لقد ولّد الذكاء الاصطناعي ما يُمكن وصفه بـ”الفاعل الخوارزمي” (Algorithmic Agent)، وهو كيان غير بشري يمتلك قدرة إنتاج قرارات مستقلة عن تدخل الإنسان، سواء في مجالات المال، الأمن السيبراني، أو حتى الطب.

إن هذا التحول يُحدث تصدّعًا عميقًا في مفهوم الوكالة البشرية، حيث يغدو الإنسان تدريجيًا جزءًا من منظومة تقنية أوسع، بدل أن يكون متحكمًا بها. وهنا يمكننا استدعاء مقولات جان بودريار حول المجتمع ما بعد الواقعي، حيث تفقد الحقيقة معناها لصالح محاكاة لا نهائية ينتجها الذكاء الاصطناعي.

كيف سيغير الذكاء الاصطناعي حياتنا بحلول 2030؟

 المخاطر الوجودية وانهيار المعنى

يحذّر نِك بوستروم، أحد أبرز فلاسفة ما بعد الإنسانية، من فكرة “التفرد التكنولوجي” وهو اللحظة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي قدرات البشر بحيث يصبح غير قابل للسيطرة.

في تلك اللحظة، لا يُستبعد أن تُعيد الخوارزميات تعريف القيم والمعايير الإنسانية ذاتها، وربما حتى تعيد تشكيل البُنى الاجتماعية والسياسية وفقًا لمصالحها “الذاتية”. وبذلك، نجد أنفسنا أمام معضلة أخلاقية غير مسبوقة: هل ما زال للإنسان دور في صياغة مصيره؟ أم أنّنا بصدد الدخول في مرحلة من “اللا-سيادة”، حيث نتحول من صانعي الأدوات إلى أدواتٍ لصنع أنظمة أكثر تعقيدًا منّا؟

مشاكل الذكاء الاصطناعي وحلولها

إذا أردنا مواجهة هذا التحوّل البنيوي العميق، فلا يكفي تطوير سياسات تنظيمية أو تشريعات قانونية فحسب، بل نحن بحاجة إلى إعادة صياغة فلسفية شاملة لمفهوم الإنسان ذاته. علينا أن نطرح أسئلة جذرية:

  1.  ما حدود التفوق البشري أمام أنظمة معرفية تتجاوز قدراتنا؟
  2.  كيف يمكن حماية الوعي الجمعي من التلاعب الخوارزمي؟
  3.  وهل يمكننا، حقًا، إيقاف مسار تطور آلة تتعلم ذاتيًا؟

إنّ مستقبل البشرية مرهون بقدرتنا على الانتقال من موقع المستهلك السلبي للتقنية إلى موقع المشارك في صياغة مساراتها الأخلاقية والمعرفية. وإلّا، فإننا سنشهد ولادة عصرٍ جديد تتلاشى فيه إرادتنا تدريجيًا لصالح إرادة العقل الاصطناعي.

سؤال يستحق التفكير والاجابة عليه 

هل يتمكن العالم من مواجهة احتياجات الذكاء الاصطناعي بما يلزم من موارد وتطورات؟