شهر رمضان المبارك… شهر الخير والعبادة ونزول القرآن
يحلّ شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه نفحاتٍ إيمانيةً عظيمة، ومكانةً خاصة في الشريعة الإسلامية، إذ اختصّه الله سبحانه وتعالى بفضائل لا تجتمع في غيره من الشهور، فهو شهر الخير والعبادة، وشهر الطاعة والقرب من الله، وفيه تتجدد معاني الإيمان، وتسمو النفوس بالذكر والقيام، وتصفو القلوب بالإخلاص واليقين ، ويُعد رمضان موسماً إيمانياً متكاملاً، تتجلّى فيه مقاصد العبادة، وتترسّخ فيه القيم الدينية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية.
شهر الصيام والتقوى
يُعد الصيام أعظم ما يميز شهر رمضان، حيث فرضه الله سبحانه وتعالى على المسلمين، وجعله ركناً من أركان الإسلام الخمسة، وقد أوضح القرآن الكريم الغاية من فرض الصيام بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وتؤكد هذه الآية أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل عبادة عظيمة تهدف إلى تحقيق التقوى، وضبط النفس، وتهذيب السلوك، وتعويد المسلم على الصبر والطاعة.
رمضان شهر نزول القرآن الكريم
يكتسب شهر رمضان مكانته العظمى من كونه الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن الكريم، أعظم الكتب السماوية، ودستور الحياة للإنسانية جمعاء، قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
ويجعل هذا الارتباط الوثيق بين رمضان والقرآن من الشهر الفضيل فرصةً سنوية متجددة للإقبال على كتاب الله تلاوةً وتدبراً وعملاً، حيث يحرص المسلمون على الإكثار من قراءة القرآن وختمه، واستحضار معانيه، وتطبيق تعاليمه في واقع حياتهم.
أجواء إيمانية وعبادات متواصلة
مع حلول شهر رمضان، تتغير ملامح الحياة اليومية للمسلمين، وتسود أجواء روحانية مميزة، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين، وتعلو أصوات تلاوة القرآن في صلوات التراويح والقيام، وتتحول ليالي الشهر إلى محطات للذكر والدعاء والاستغفار، في مشهد يعكس وحدة المسلمين واجتماعهم على طاعة الله، ويحرص الكثيرون على قيام الليل، اقتداءً بقول النبي ﷺ: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه».
شهر الخير ومضاعفة الأجور
يُعرف شهر رمضان بأنه شهر الخير الواسع، حيث تتضاعف فيه الحسنات، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على فضل الإنفاق والعمل الصالح، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261].
وفي رمضان، يتنافس المسلمون في أعمال البر، من صدقات وزكاة وإفطار صائم، طمعاً في الأجر والثواب، وتجسيداً لمعاني الرحمة والتكافل التي يدعو إليها الإسلام.
تهذيب الأخلاق وتقويم السلوك
لا يقتصر الصيام في رمضان على الجانب الجسدي، بل يمتد ليشمل تهذيب الأخلاق وتقويم السلوك، فالصيام دعوة صريحة لضبط اللسان، وكفّ الأذى، والابتعاد عن المعاصي، والتحلي بمكارم الأخلاق. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].
ويجعل رمضان من المسلم أكثر وعياً بسلوكه، وأكثر التزاماً بالقيم الإسلامية التي تنعكس إيجاباً على الفرد والمجتمع.
رمضان شهر التوبة والدعاء
يُعد شهر رمضان فرصةً عظيمة للتوبة الصادقة والرجوع إلى الله، حيث تُفتح أبواب الرحمة والمغفرة، ويقبل المسلمون على الدعاء والابتهال. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. وتزداد أهمية الدعاء في أوقات الصيام، لا سيما قبيل الإفطار وفي جوف الليل، لما لها من فضل عظيم ومكانة خاصة.
العشر الأواخر وليلة القدر
تبلغ أيام رمضان ذروتها في العشر الأواخر، التي تحظى بفضلٍ عظيم، لاحتوائها على ليلة القدر، التي قال الله فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3].
وفي هذه الليالي، يجتهد المسلمون في العبادة والقيام والدعاء، طلباً للأجر العظيم، وحرصاً على نيل فضل هذه الليلة المباركة التي تتنزل فيها الملائكة بالخير والرحمة.
رمضان مدرسة إيمانية متكاملة
يشكّل شهر رمضان مدرسة إيمانية متكاملة، يتعلم فيها المسلم معاني الصبر، والإخلاص، والانضباط، والشعور بالآخرين، وهو شهر يعيد ترتيب أولويات الإنسان، ويقوي صلته بالله، ويعزز التزامه بالقيم الدينية التي تمثل أساس الاستقرار الروحي والاجتماعي.
ويبقى شهر رمضان المبارك، عبر العصور، شهر الخير والعبادة ونزول القرآن، وموسماً تتجدد فيه الأرواح بالإيمان، وتتطهر فيه النفوس بالطاعة، وتتوحد فيه القلوب على ذكر الله، وهو فرصة سنوية عظيمة لتصحيح المسار، وتعزيز القيم الإسلامية، وتحويل معاني الصيام والقرآن إلى منهج حياة دائم، ينعكس خيراً على الفرد والمجتمع، ويؤكد أن في القرب من الله صلاح الدنيا