رمضان بين روحانية "الفرض" وسطوة "العرض"
رمضان بين روحانية "الفرض" وسطوة "العرض": هل اختطفنا الشهر الفضيل؟
بقلم: ايناس صيام
لم يعد رمضان هو ذلك الضيف الخفيف الذي يأتي ليغسل أرواحنا من عناء أحد عشر شهراً من الركض الدنيوي. يبدو أننا، وبإرادة جماعية غريبة، قررنا أن نُلبس هذا الشهر "عباءة" ليست له، ونغرقه في تفاصيل استهلاكية حولت "موسم الطاعات" إلى "موسم للصناعات"؛ صناعة الترفيه، وصناعة المظهر، وصناعة الصورة.
فبينما ننتظر هلال الصوم، تطل علينا هلالات أخرى دخيلة، رسخت مفاهيم ومعتقدات بصرية ومجتمعية كادت أن تطمس جوهر الروحانية، لتستبدل الخشوع بالخضوع لسطوة "الترند".
أصنام "الفنانيس" وهوس الإكسسوار لعل أبرز ما يلفت النظر في السنوات الأخيرة هو اجتياح المجسمات والدمى، وعلى رأسها شخصيات "فنانيس"، لكل زاوية في بيوتنا وشوارعنا. تحولت هذه "التماثيل" الكرتونية من مجرد فواصل إعلانية إلى أيقونات مقدسة للشهر، تُنصب في الميادين وتزين المداخل، حتى باتت تنافس الفانوس التقليدي ورمزية الهلال. لقد أصبح "الديكور الرمضاني" عبئاً مادياً ونفسياً، ومعتقداً اجتماعياً ملزماً؛ فإذا خلا بيتك من "الركن الرمضاني" المكدس بالإكسسوارات والدمى، فكأنك لم تحتفِ بالشهر! لقد انشغلنا بـ "تزيين" رمضان خارجياً، ونسينا "تزين" أنفسنا داخلياً بالتقوى.
كرنفال "العباية نايت" ومكياج السحور وفي زاوية أخرى، تحولت ليالي الشهر الفضيل إلى منصات عرض أزياء تحت مسمى "العباية نايت" (Abaya Night). لم تعد العباءة رمزاً للستر والاحتشام المرتبط بقدسية الشهر، بل أصبحت تذكرة دخول لعالم من التباهي الاجتماعي والاستعراض. يرافقه في ذلك صرعة "مكياج الفطور والسحور"، حيث تزدحم منصات التواصل الاجتماعي بنصائح حول "اللوك" المناسب للخيمة الرمضانية، في مفارقة عجيبة لشهر شُرع في الأصل لكسر الشهوات والتقشف، لا لتكريس المبالغة في الزينة والظهور بأبهى حلة لأجل عيون الكاميرات لا لعين الخالق.
الخيم الرمضانية.. ضجيج يقتل السكينة أما "الخيم الرمضانية"، فقد باتت هي المعتقد البديل للاعتكاف. وبدلاً من أن تكون ليالي رمضان فرصة لمناجاة السماء، تحولت الخيم إلى نوادٍ ليلية بصبغة شرقية، يختلط فيها دخان الأرجيلة بصخب الموسيقى وأسعار "الحد الأدنى للطلبات" الباهظة. أصبح السهر حتى الفجر طقساً احتفالياً صاخباً يُتخم الجسد ويُفرغ الروح، ويجعل من صلاة الفجر عبئاً ثقيلاً لمن استطاع إليها سبيلاً بعد ليلة حافلة بكل شيء إلا الروحانية.
دعوة للعودة نحن لا ندعو للتجهم، ولا نحرم الفرح بقدوم الشهر، ولكننا ندق ناقوس الخطر أمام هذه "المعتقدات الدخيلة" التي بدأت تسحب البساط من تحت أقدامنا بهدوء. رمضان هو شهر "الامتناع" لا "الاستمتاع" المفرط، شهر الانعتاق من المادة لا الغرق فيها.
إننا بحاجة ماسة لـ "صوم" من نوع آخر؛ صوم عن الاستهلاك البصري، وعن التفاخر الاجتماعي، وعن اللهث خلف "الترند". لعلنا نستعيد رمضان الحقيقي، رمضان السكينة والقرآن، قبل أن يتحول في ذاكرة أبنائنا إلى مجرد شهر للدمى، والعباءات المزركشة، وسهرات الخيم الصاخبة.
فلنعِد لرمضان هيبته، قبل أن يصبح مجرد "موسم" تجاري، بلا روح.