الكتابةُ بقلمِ الذكاء الاصطناعيّ تعبيرٌ يُبهِرُ بمحاكاتِهِ سياقاتٍ إبداعيّةً، لكن بعاطفةٍ بلاستيكيّةٍ.
الكتابة إحساس عميق بالأشياء، يُرسيكَ على مرافئ الخيال المحلّقِ في عالم من الإبداع. يجعلك تنظر لكّل ما هو حولك على أنّه كائنٌ مثيرٌ، مستفزٌّ لك كي تكتبَه، أو تكتبَ عنه، مصوّراً حضورَه في واقعك، وذهنك أنت. قريبٌ منك على اختلاف جنسِهِ، يحدّثك بلغة لا يفهمها سواك، يناجيك ليلاً في صمتٍ، ويحدّثك نهاراً في ضجيج. يستدعيك مباشرة للكتابة، بل لا يمهلُك كثيرَ وقتٍ، ليخترق هو عالمك باندفاع، فيكتبك من منظور تصوّره ومفهومه.
هكذا هي الكتابة وقوفٌ أمام الأشياء كمرآة مصقولةٍ غير متكسّرة، تكشف خارجك الظاهر، كما تبعث المشاعر الساهمة في داخلك، وتنساب انعكاساتُها ممسكةً بخيوط وعيك البعيد؛ فتنسيك واقعك الذي تعيشه، وتحيطك بهالة انتعاش من التفكير المتأهّب لخوض تجربة الكتابة على صفحات النفس المتأملة، التي تجيد قراءة الأشياء والأشخاص والمواقف.
وليس الفضل لك وحدك في كتابة أيّ نصّ، إنّما هناك من يشاركك هذا النتاج الأدبيّ الفكريّ. فالقلم لك بما يخطّه شريك، والذكاء الاصطناعيّ إن لجأت إليه أيضاً شريك، ودافع الكتابة ومثيرها هو شريك، والقارئ الذي تطمح أن يقرأ لك خير شريك، والناقد الذي تتهيّب من قلمه ملازمٌ لك شريك.
ومن وضوح ما هو واضحٌ، أنّه لا حاجة لتوضيح أنّ النصّ الأدبيّ تُذكيهِ عاطفةٌ وشعورٌ، وتحوطه قلوبٌ فَرِحَةٌ أو معذّبة. فإذا ما أحببت مالت العاطفة إلى الإعجاب والودّ، وإذا ما كرهت غالبك شعورُ الاستياء والبغض؛ فالمفردات ربّما لا تنام إذا عايش كاتبَها القلقُ والوجدُ والحنين، والألفاظ لا تستقرّ على حال إن أغضبها الحزنُ والألم، فقد يكتسي معجمُ النصّ حلّةَ الانطلاق والتفاؤل، فيُكتَبُ بعصارةِ الورد ورحيقِهِ، كما أنّه قد يأتي متّشحاً بالسوداويّة والتشاؤم، فيُكتَبُ بمدادِ العينِ أو القلب.
ولو كُتِبَ النصُّ بأداةِ الذكاء الاصطناعيّ وآليّةِ بحثه، لخرج لك نصٌّ تعجبك مفرداتُه ويغازلُك أسلوبُهُ، ويَسحرُكَ بناؤُه، فيغري بك وقعُ إلقائه، ويعدو بك في القراءة جمالُ سياقه. فيكون أشبهَ بخضراءِ بيئةِ الكمّ الالكترونيّ؛ وهذا كلّه جاء لما يوفّره للكاتب من تدقيق سريع، واحتمالات التصويب والتعديل والتبديل، وتنظيم للأفكار، وتحسين في الصياغة والأسلوب، ويقدّم للكاتب المقارنات والاحصاءات، وحصر المفردات في حقولها المتلائمة مع العاطفة؛ فيجمع في النصّ ألفاظ الفرح إن كان مبهجاً، ويسوق لك كلمات الحزن إن جاء قاتماً.
لكن هل يتجاوز النصُّ المعتمِدُ على ذكاء الآلة العاطفةَ في بنائه الفنّي؟ سؤال يعرف إجابته المبدعون من الكتّاب، الذين استقوا تذوّق النصوص شراباً سائغاً، فلا ينطلي عليهم نصٌّ مُتبضَّعٌ به في سوق حارتهم الأدبيّة، فيعرج هذا النصّ بمجرّد أن يمرّ أمام ناظرهم، فيظلّ مترنّحاً في دائرة الشكّ في محكمتهم النقديّة. ومهما بلغ النصّ من الجمال غايةً، أو وصل من التفنّن منتهًى، تبقى أزهاره اللغويّة في أشكالها فاتنةً لكنها بلاستيكيّة، بلا ملمس مخمليّ دافئ، أو شذى عطريّ عاطفيّ، وابتساماته وإشراقاته اللغويّة ضئيلة الصدق لأنها مصطنعة متكلّفة؛ فروح النصّ عاطفته، وحياته تجربة تخلّد إحساساً بالكلمات، وصدًى يمتدّ في أثير الإبداع، يتردّد على مسامع المعجبين المتأثرين به، وتتنزّل العواطف فيه كالرذاذ اللطيف، المنعش لحياة النصّ الأبديّة في عقول القرّاء.
ولكون التعبير والكتابة الابداعيّة مهارة، يمكن تنميتها وتطويرها، فلا ضير من الاستعانة بالذكاء الاصطناعيّ أثناء الكتابة في قراءة نصوص كثيرة عن موضوع يمكن الكتابة فيه، وجمع إحصاءات معيّنة، والاطلاع على موضوعات مشابهة، ويمكن الاستعانة به في إجراء التعديلات والتدقيق. لكن لا بدّ من منح الذات فرصة التأمّل، والبحث عن الذات في تكوين رأي وبلورة فكر، يتيح التعبير والبوح والكتابة بوعيّ وحريّة وعاطفة، وبفكرة ناضجة تجلّي مشاعر الانفعال الذهنيّ والعاطفيّ؛ ليخرج النصّ جسداً وروحاً.
اقرأ المزيد :
الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسانية: من الطب إلى البيئة
كيف توزّع استثماراتك في الذكاء الاصطناعي عام 2026؟
AI
المشرف التربويّ نائل طحيمر- فلسطين