هكذا لهجَ بها لسانُهُ، بعد خروجه من محطّة الاقتراع في انتخابات 2026: أشعروني بقيمتي أنّني إنسان... يا له من وسامٍ مرصّع بالثناء والفضل، يضعه على صدره كلُّ موظّفٍ عمل في يوم الاقتراع؛ فقط هذه العبارة تكفي، لنقول للعالم أنّ صمّام العمل الانتخابيّ موظّفٌ واعٍ، يتصرّف بمسؤوليّة عالية، يتقن فنَّ التواصل، ويجيد فلسفةَ الذوقِ.
مؤكّدٌ أنّ قيمة الإنسان ما يتقنه، وقيمة العمل ثمره اليانع، وأثره الحسن. وهنا يكون الموظّف قد أتقنّ دوره في لباقة التصرّف، ولطافة الخطاب، وأناقة الطلب، وجميل التسهيل في إسداء الخدمة وتقديمها. وكذلك في مَنْح المواطن المقترع تكريماً ينزله قدره، الذي هو حقّ له على الأرض، يوضّحه الله تعالى في قوله: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". فحقّه إذن، أن يعيش باحترام، وأن يعامل باحترام، وأن يمنح حقّه باحترام.

والصلاح في أبسط مفهومه أن تؤدّي عملك بإتقان ونجاح، فإن أتقنت التجارة مع الله سبحانه، فأنت التقيّ النقيّ، وإن أتقنت التجارة مع الناس فأنت الموفّق الغنيّ. والموظّف الذي وفّق لأداء واجبه بمثاليّة لطيفة، وأوصل المواطن إلى أن يشعر بقيمة نفسه، قد نجح وتمكّن من الوصول إلى قلبه والتأثير فيه إيجاباً.
وكم هو جميل أن يشعر المرء في مكان ما أنّه مقدّرٌ موجّبٌ، كالضيف الحبيب المقرّب؛ فانطباع الرضا يعلو منسوبه، وشعور الاستحسان تشتدّ أواصر تثبيته؛ وتكون عندها سلاسة الإذعان للحقّ، والانقياد لأمر الخير. فالإحسان في الخطاب فضل وميزة، اختصّ بها الأنبياء الكرماء، وهو أيضاً فصاحة وبلاغة رفعت من منزلة العلماء والخطباء، فعذوبة لسانهم قبول لهم، وإشراقة وجوههم حسن فيهم.
حسنا لقد مشى في مركز الاقتراع أثناء مغادرته من المحطّة، يناقل خطواته بخفّة ورشاقة، ينشر ابتسامات السعادة أزهاراً على كلّ عتبة، لا لشيء أو سبب، ففي ظاهره غير مهتمّ بمن يفوز، لأنّه عفويّ في نيّته، فليفز من يكون، ليس هذا الأمر ما يقلقه، فالفائز فلسطينيّ، والوطن فلسطينيّ، والخدمة لفلسطينيّ... لكنّه وحده من شعر بأنّه الفائز قبل فرز الأصوات، وإعلان النتائج، فالترحيب به، والتقدير له، وتسهيل العمل له، والصوت في النهاية له.
من أعجب الأمور أن يستشعر المرء وزنه على الأرض لا بحجم ما يحويه جسمه من كتلة، بل بحجم ما يحويه قلبه من رحمة وإنسانيّة. فالريشة من لطفها وخفّتها لا نعير اهتماماً لوزنها، ولا نلقي بالاً لثقلها، لأنّنا نفوقها حجماً، لكنّنا نستشعر ملمسها اللطيف، إن أحطنا أنفسنا بها. والإنسان بإنسانيّته، كالهواء بنسيمه، وكالدواء في تخفيفه.
ولعلّ سعادة المرء في معرفته لمنسوب الاحترام الذي يتلقاه من الآخرين، فأرادوا أن يسألوه في لقاء بعد خروجه، ما رأيك في الانتخابات؟ وكيف كانت عمليّة الاقتراع؟ فأجابهم: أشعروني بقيمتي أنّني إنسان.
فالإجابة توجز كثيراً من الكلام، فهي أشبه بتوقيعة البلغاء الكتّاب في عصر ازدهار فن المخاطبات قديما، فقالوا في مفهوم السعادة والسرور، هو "إكرامُ ودودٍ".
المشرف التربويّ نائل طحيمر _ فلسطين