الانحدار الإعلامي والأسئلة المسيئة: أزمة مهنية تهدد مصداقية الإعلام العربي
لم يعد الإعلام العربي كما عرفناه في العقود الماضية؛ منبرًا للمعلومة والنقاش الرصين، وصانعًا لوعي جماهيري مسؤول. بل تحوّل جزء كبير منه في السنوات الأخيرة إلى ساحة للاستفزاز والإثارة السطحية، حيث باتت البرامج الحوارية واللقاءات الصحفية تطرح أسئلة محرجة تمس خصوصيات الضيوف، بدلًا من مناقشة القضايا العامة. هذا التحوّل يعكس حالة من الانحدار الأخلاقي والمهني، تهدد ثقة الجمهور بمؤسساته الإعلامية.
منبر المعرفة إلى مطاردة "الترند"
كان الإعلام العربي في الماضي أقرب إلى منصة للمعرفة، يقدم محتوى جادًا يحترم عقل المشاهد. أما اليوم، ومع هيمنة ثقافة "الترند" ومقاييس المشاهدة، تحوّلت الحوارات من نقاشات فكرية وثقافية إلى استعراضات سطحية هدفها إضحاك الجمهور أو صدمه.
طبيعة الأسئلة المسيئة
لم تعد الأسئلة المطروحة في اللقاءات الإعلامية مهنية أو موضوعية، بل أضحت تحمل نوايا استفزازية مكشوفة، من أبرزها:
- التطرق الفجّ إلى الحياة الخاصة للضيف.
- التركيز على الفضائح الشخصية والسياسية.
- إثارة مواضيع حساسة كالدين والجنس والسياسة بأسلوب سطحي.
- استدراج الضيف للانفعال أو الانكسار أمام الكاميرا.
أسباب الانحدار
هذا التراجع المهني يعود إلى عوامل عدة، لعل أهمها:
- هيمنة ثقافة المشاهدات على حساب جودة المحتوى.
- غياب معايير الرقابة المهنية والأخلاقية.
- تحوّل الإعلام إلى تجارة هدفها الربح والفضائح.
- ضعف التأهيل الأكاديمي والإعلامي للعاملين في المهنة.
انعكاسات خطيرة
انعكست هذه الظاهرة سلبًا على المشهد العام وذلك من خلال:
- تراجع ثقة الجمهور بالإعلام.
- تشويه صورة المذيع والصحفي وتحويله إلى "مستفز إعلامي".
- تعزيز ثقافة الفضائح بدل الحوار الراقي.
- التأثير السلبي على الأجيال الشابة التي تربط الشهرة بالإثارة الرخيصة
الحلول الممكنة
لإعادة الاعتبار للمهنة، تبرز جملة من الإجراءات:
- تبني مواثيق شرف إعلامية واضحة.
- تدريب المذيعين والصحفيين على أخلاقيات الحوار.
- دعم الإعلام النوعي القادر على طرح قضايا مجتمعية بعمق.
- رفع وعي الجمهور لمقاطعة البرامج المسيئة.
الإعلام أمام مفترق طرق
الإعلام العربي اليوم أمام خيارين، الاستمرار في مطاردة الفضائح والإثارة السطحية، أو استعادة دوره التاريخي كمنبر للتنوير وبناء الوعي، فالجيل الجديد من الإعلاميين قادر على أن يصنع الفرق، إذا أدرك أن المهنية تُقاس بمدى احترامها للعقول وصونها للكرامة الإنسانية، لا بعدد المشاهدات أو صخب "الترند".