كيمياءُ العَدَم... عشتارُ تَعتصرُ ثَديَ القَحطِ في حاناتِ بابلَ الميتة!!!
بقلم الباحث محمد سامي نعالوة- طولكرم - شويكة
في ليلٍ يُؤرّقُهُ نارٌ بلا لهب، تتوارى بابلُ تحتَ غيمٍ من الرمادِ المتحرّك، وتُصبغُ دروبُها بلونِ الغروبِ الذي يحملُ سُحباً تكادُ تطيرُ شرارة. هناك، في أحشاءِ المدينةِ الظمأى، تتجلّى عشتارُ ظلّاً يرتجفُ في مجامر فخّار خاوية، نارُها مُطفأةٌ منذُ أمدٍ بعيدٍ، ومع ذلكَ تظلُّ تُشعُّ حضوراً ساحراً، حضوراً يُشبهُ الندمَ المُشرقَ في عينَيْ ميتٍ.
تتسلّلُ عشتارُ أوّلاً إلى غرفاتِها المهجورة، حيثُ تتجمّدُ المجامرُ في صمتٍ أبديّ، والدخانُ الذي كانَ يرتفعُ يوماً كأنفاسِ العاشقينَ، صارَ الآنَ مجرّدَ وهمٍ يتردّدُ في الهواءِ الراكد. الدعاءُ يصعدُ من حناجرِ القصبِ في المستنقعات، لاهثاً، مُتعباً، ينادي: تؤوبُ إلهةُ الدم، خبزُ بابل، شمسُ آذار. فتُجيبُ المدينةُ بصمتٍ يشبهُ الاختناق، وتظلُّ عشتارُ تتربّعُ في قلبِ الفراغِ ذاك، كملكةٍ تُراقبُ عرشَها يذوبُ تحتَ أشعّةِ شمسٍ لا تُشرق.
ثمّ تأتي العذارى، حزانى، ذاهلات، يُحيطنَ بها كأنّهنَّ أغصانُ كرمةٍ تذبلُ غصناً بعدَ غصن. يغيضُ الماءُ شيئاً فشيئاً من محيّاها، كأنّ الجمالَ نفسهُ يتسرّبُ من وجهِ الإلهةِ قطرةً قطرة، فيتحوّلُ إلى رطوبةٍ خفيّةٍ تُبلّلُ الترابَ اليابس. هنا تُصبحُ عشتارُ مرآةً للجمالِ الذي يموتُ ببطء، جمالٌ يُشبهُ لحظةَ الغروبِ حينَ يُلقي آخرَ ضوءِهِ على جدارٍ متصدّع، فيُضيءُ الشقوقَ قبلَ أن يغرقَ في الظلمة.
وفي طقسٍ يائسٍ يسيرُ صغارُ بابل، يحملونَ سلالَ صبّارٍ وفاكهةً من الفخّار، قرباناً لها. قرابينُ مصنوعةٌ من الطينِ والوهم، ثمارٌ تُذكّرُ بالجوعِ الأعمق. عشتارُ تقبلُها بقسوةٍ رقيقة، قسوةِ الأمّ التي تُخفي دموعَها خلفَ ابتسامةٍ من حجر. وا أسفاه، تقولُ المدينةُ في سرّها، أنتِ قاسيةٌ، ومع ذلكَ يظلُّ الأملُ ينبضُ في عروقِها المُجفّفة، كأنّ القسوةَ ذاتَها هي الرحمةُ المُؤجّلة.
وأخيراً، في لمحِ البرقِ الذي يُنيرُ عينَيْ أسدٍ أو ظلٍّ من ظلالِ المعبد، تتجلّى عشتارُ كبابٍ مفتوحٍ على ملكوتٍ أسود. مبخرتانِ أُوجرتا لها في عينَيْ ذاكَ الذي ينظرُ، نافذتانِ تُطلّانِ على عالمٍ من الجراحِ والفداءِ السنويّ. هناكَ، في أعماقِ ذلكَ السواد، تظلُّ تنتظرُ عودةَ تموز، عودةً تُعيدُ الأزهارَ والأمطار، لكنَّ المدينةَ تظلُّ في انتظارٍ يُشبهُ الرقصَ على حافةِ الهاوية، رقصاً يُجمعُ بينَ النشوةِ والألم.
عشتارُ في "مدينة بلا مطر" هي الغيابُ الذي يُشعلُ الشوقَ، الفراغُ الذي يُغنّي، الظلُّ الذي يُضيء. من خلالِها ينسجُ السيابُ حكايةَ وطنٍ ينزفُ دماً أحمرَ كالخصبِ المفقود، ويحلمُ بمطرٍ يأتي من عينَيْ إلهةٍ صارتْ جزءاً من الترابِ الذي تطأهُ أقدامُ الجياع.
في ختامِ هذا السحرِ الشعريّ، تبقى عشتارُ معلّقةً بينَ السماءِ والأرض، كنجمةٍ سقطتْ في بئرٍ جافّة، تنتظرُ أن يرفعَها صوتُ دعاءٍ أخير، أو قطرةُ مطرٍ تُعيدُ إليها لونَها الأول، لونَ الدمِ والخبزِ وشمسِ آذار.
