تحديثات الأخبار

بقلم إيناس صيام - القدس

في زحمة حياتنا اليومية، وبينما تجلس في أي مجلس اجتماعي أو تتصفح منصات التواصل، يطالعك ذلك المزيج العجيب من الكلمات: جملة تبدأ بالعربية، تتوسطها مصطلحات إنجليزية، وتنتهي بعبارة عبرية. والهدف؟ غالباً ما يكون بحثاً عن "البريستيج" أو إثباتاً للتحضر. ولكن، هل سألت نفسك يوماً: كيف دارت عجلة التاريخ؟

مفارقة التاريخ: عندما كانت العربية "موضة" الغرب

لعل من أكثر حقائق التاريخ إثارة للدهشة، هي أن ما نفعله اليوم بتقليد الغرب لغوياً، هو تماماً "عكس" ما كان يحدث في عصور مضت.

في زمن الأندلس، وحين كانت الحضارة العربية في أوج عطائها العلمي والثقافي، كانت "الطبقة المخملية" والنخبة في أوروبا يتباهون بأن أبناءهم يتحدثون العربية!

· كانت العربية حينها هي لغة العلم، لغة الفلك، لغة الطب، ولغة الإتيكيت.

· كان المثقف الأوروبي يطعم حديثه بكلمات عربية ليوحي لجلسائه بأنه "متحضر" ومطلع على علوم العصر.

· يقول أحد الأساقفة الإسبان في ذلك الزمن متحسراً: "إن الشباب المسيحي لا يرى مجداً إلا في قراءة الكتب العربية والتحدث بها".. لأنها كانت ببساطة: لغة القوة والتقدم.

السؤال المؤلم هنا: لماذا انقلبت الآية؟ ولماذا صرنا نرى في لغتنا "تراثاً قديماً" وفي لغات غيرنا "بوابة للمستقبل"؟

بين العبرية والإنجليزية: ضرورة أم استعراض؟

لا شك أننا نعيش واقعاً يفرض علينا إتقان لغات أخرى.

· اللغة العبرية: قد تكون ضرورة بحكم الواقع الذي نعيشه يومياً في المعاملات والعمل.

· اللغة الإنجليزية: هي لغة العولمة والتكنولوجيا.

لكن الخلط العشوائي في حديثنا اليومي، واستبدال مفرداتنا الجميلة بكلمات دخيلة دون حاجة (مثل قول "سوري" بدل "آسف"، أو "بيسيدر" بدل "تمام")، ليس دليلاً على الثقافة، بل هو دليل على هزيمة داخلية. إن استخدام لغات أخرى في غير موضعها لا يرفع من شأنك، بل يظهرك كمن لا يملك "عموداً فقرياً" ثقافياً يستند إليه.

رسالة من القلب: لغتنا.. حصننا الخالد

وهنا، اسمحوا لي أن أخلع قبعة "الكاتب" لأتحدث بلسان حالي، كإنسانة عاشقة لهذه اللغة، وكشخص يتقن لغات عالمية بطلاقة، ولكنه لا يجد الدفء والعزة إلا في "الضاد".

إن الاعتزاز باللغة العربية ليس تعصباً أعمى، ولا يعني أن نغلق الباب أمام تعلم لغات العالم؛ بل على العكس، علموا أولادكم اللغات، افتحوا لهم نوافذ على ثقافات أخرى، فاللغات جسور وتوسيع للمدارك. ولكن..

إياكم أن تجعلوا هذه اللغات تأخذ مكان "الملكة" في بيوتكم.

· اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، وهذا شرف يكفيها لتبقى خالدة.

· هي لغة "الأنا" والهوية؛ فالشعب الذي يعتز بلغته هو شعب خالد، عصي على الذوبان، وقوي الجذور.

· الشجرة التي تمتد جذورها عميقاً في الأرض، هي وحدها التي تستطيع أن تعانق السماء بأغصانها دون أن تقتلعها الرياح.

ختاماً: التطور الحقيقي هو أن تمتلك لغات العالم في عقلك، وتحتفظ بالعربية في قلبك وعلى لسانك. لغتنا ليست مجرد كلمات، إنها نحن!