« لاعب النرد » بوصفها إعادة كتابة للتراجيديا: من أسخيليوس إلى درويش
بقلم الباحثة منار جلال آسيا - طولكرم - عتيل
عتبة التأويل: محمود درويش بوصفه رائياً للوجود
تتجاوز قصيدة «لاعب النرد» حدود السيرة الذاتية لتفتح أفقاً تأمليّاً يقدّم فيه محمود درويش رؤية أنطولوجية حديثة للوجود الإنساني. فالشاعر لا يكتفي باستعادة محطات حياته، بل يعيد مساءلة شروط تشكّلها، محوّلًا التجربة الفردية إلى سؤال كوني يتقاطع مع أفق الميتافيزيقا المتأخرة، حيث تتراجع أنظمة اليقين وتفقد السرديات الكبرى قدرتها التفسيرية، لصالح مفاهيم الهشاشة والمصادفة والاحتمال.
في هذا السياق، يتخذ صوت درويش هيئة مركّبة تجمع بين الراوي والبطل والجوقة، في استعادة واعية للبنية التراجيدية الكلاسيكية بعد تحريرها من صرامتها الأسطورية. وبهذا، يعيد الشاعر صياغة التراجيديا ضمن منظور إنساني–وجودي، محوّلاً «النرد» إلى أداة معرفية لاستنطاق علاقة الإنسان بالقدر، وجاعلاً من المصادفة قانونًا وجوديّاً يحكم النجاة المؤقتة بدل البطولة الخارقة.
تفكيك المركز: نحو بطل تراجيدي جديد
تفتتح القصيدة بإيماءة وجودية تقوم على مساءلة الهوية: «من أنا؟»، في انتقال دالّ من صورة البطل التراجيدي الكلاسيكي، كما تتجلى عند أسخيليوس، إلى نموذج إنساني أكثر هشاشة. فالبطولة هنا لا تُبنى على الصدام مع الإرادة العلوية، وإنما على وعي الإنسان بمحدوديته داخل عالم تحكمه قوى تتجاوز السيطرة الفردية.
يؤسس هذا التحول وعيًا تراجيديًا جديدًا، تصبح فيه العظمة كامنة في الاعتراف بالضعف، وفي القدرة على تحويل العطب الجسدي والوجودي إلى معنى. هكذا يغدو المرض، والخطأ الجيني، وخيبات المصادفة عناصر بنائية في تشكيل الذات، لا عوارض هامشية، ويتحوّل النص إلى خطاب يواجه العدم بالوعي والتأمل.
ميتافيزيقا المصادفة والنجاة المثقلة بالوعي
تتبدّى خصوصية «لاعب النرد» في استبدال القدر الحتمي، كما رسخته التراجيديا الأسخيلية، بمنطق المصادفة بوصفها قوة عمياء تعمل خارج النسق السببي الصارم. فالحياة، ضمن أفق القصيدة، تُبنى من سلسلة احتمالات مفتوحة، قد تقود إلى النجاة أو الفقد دون مبرر أخلاقي أو ترتيب كوني واضح.
تظهر النجاة بوصفها حدثًا عرضيّاً: تأخر عن رحلة، نوم عابر، تفصيل يومي بسيط. غير أن هذه النجاة تحمل عبئها التراجيدي، إذ تضع الناجي في مواجهة مباشرة مع المجزرة ومع مسؤولية الشهادة. هنا يتقاطع درويش مع الوعي التراجيدي القديم في إنتاج ما يمكن تسميته «الوعي الشقي»، حيث يتحول البقاء إلى معرفة مؤلمة، ويغدو الوعي ذاته شكلاً من أشكال العذاب.
عزلة القمة وسيزيفية الإبداع
يفكك النص صورة «الجبل» و«صومعة النسر» بوصفهما تمثيلين للمجد التراجيدي، كاشفاً المفارقة بين الطموح الإنساني وحدود الجسد. فالتقابل بين «البشري الذي لا يطير» و«النسر الذي لا يمشي» يجسّد جوهر الصراع التراجيدي بين الرغبة في العلو وشروط الواقع.
في هذا المستوى، يقترب درويش من البطل الأسخيلي الذي يكتشف أن القمة تقود إلى عزلة قاسية، غير أن الشاعر يختار الانحياز إلى التجربة الإنسانية المشتركة، مفككًا صورة الذات المتفردة، ومحولاً الأسطورة من قدر مغلق إلى خبرة إنسانية قابلة للتشارك. وتغدو القصيدة ذاتها رمية نرد كبرى، يصبح فيها الإبداع محاولة لتحويل الفناء إلى معرفة، والمصادفة إلى معنى.
تقدّم «لاعب النرد» تصوراً مغايراً للهوية الإنسانية، بوصفها صيرورة قلقة تتشكّل بين النجاة والفقد، وبين الوعي والهلاك. ومن خلال استيعابه للروح التراجيدية القديمة وإعادة توجيهها، يؤكد درويش أن الإنسان، وإن بدا رمية نرد في كون احتمالي، يمتلك وعيه بتلك الرمية، وقدرته على تحويل المصادفة إلى نص، والهشاشة إلى خلود شعري قائم على المعرفة لا على الوهم.