بقلم هديل زيادة - بيت لحم
على السفوح الجنوبية لمدينة بيت لحم، تتربّع قرية أرطاس كجوهرة خضراء تتكئ على كتف الوادي وتطلّ على تاريخٍ ممتدّ كجريان الماء في عروق الأرض،ليست أرطاس مجرد قرية فلسطينية هادئة إنها حكاية مكتوبة بالحجر والماء، وذاكرة جماعية تحفظ أسرار الزراعة والينابيع والهندسة القديمة، في قلب هذه الحكاية يقف معلم أثري فريد، هو برك سليمان، الذي يشهد على عبقرية الإنسان في ترويض الطبيعة وتسخيرها لخدمة الحياة.
أرطاس… جغرافيا تتنفس خضرة
حين يقترب الزائر من أرطاس، يشعر أنه يدخل لوحة طبيعية مرسومة بعناية، تتدرّج الحقول على شكل مصاطب حجرية، وتتخللها أشجار الزيتون واللوز والعنب، فيما تنساب الينابيع بهدوء بين الصخور، هذه الجغرافيا لم تكن يوماً محض صدفة فاختيار الموقع ارتبط بوفرة المياه وخصوبة التربة، ما جعل القرية عبر القرون مركزًا زراعياً نابضاً.
اسم “أرطاس” في الروايات الشعبية يرتبط بمعاني البستان أو الفردوس الصغير، وهو توصيف ينسجم مع المشهد العام للقرية، فالخضرة هنا ليست موسمية فحسب، بل نتاج علاقة طويلة بين الإنسان والأرض، علاقة قوامها العمل الدؤوب والاعتماد على موارد طبيعية أُديرت بحكمة.
برك سليمان معجزة هندسية في قلب الجبال
إلى الجنوب من القرية، تمتد برك سليمان في مشهد مهيب، ثلاث خزانات مائية ضخمة متدرجة بُنيت من حجارة ضخمة مصقولة بعناية،تتخذ البرك شكل أحواض مستطيلة متفاوتة الأحجام، جدرانها شاهقة، وأرضيتها منحدرة بطريقة مدروسة لتجميع المياه.
تُنسب البرك في الذاكرة الشعبية إلى النبي الملك سليمان، الذي ارتبط اسمه بالحكمة والقدرة على تسخير قوى الطبيعة، غير أن الدراسات الأثرية تشير إلى أن أجزاء كبيرة من هذه المنشآت تعود إلى العهد الروماني، مع إضافات وترميمات لاحقة في الفترات البيزنطية والإسلامية، خاصة في العهدين المملوكي والعثماني (عهد سليمان القانوني).
لكن مهما اختلفت الروايات حول تاريخها الدقيق، فإن ما لا يختلف عليه أحد هو عظمة هذا الإنجاز الهندسي، فقد شكّلت البرك جزءاً من منظومة مائية متكاملة هدفت إلى تجميع مياه الأمطار والينابيع وتخزينها، ثم نقلها عبر قنوات طويلة إلى بيت لحم والقدس،كانت هذه القنوات تُبنى بانحدار محسوب بدقة، بحيث تسمح بتدفق المياه بفعل الجاذبية وحدها، دون الحاجة إلى مضخات أو وسائل ميكانيكية.
شبكة الماء.. شريان الحضارة
لم تكن البرك مجرد خزانات ساكنة، بل محطة رئيسية في شبكة معقدة من القنوات والأنفاق،امتدت هذه القنوات عبر الجبال والوديان، عابرةً مسافات طويلة لتزويد المدن بالمياه العذبة، كان المهندسون القدماء يدركون أهمية كل تفصيل: سماكة الجدران، نوع الحجر المستخدم، زوايا الانحدار، وحتى طرق العزل لمنع التسرب.
هذا النظام المائي لم يكن رفاهية، بل ضرورة استراتيجية، فالمياه في المنطقة عنصر حاسم للاستقرار السكاني والزراعي، ومع تزايد عدد السكان في بيت لحم والقدس عبر العصور، ازدادت أهمية البرك بوصفها خزاناً احتياطياً يؤمّن الإمداد في فترات الجفاف.
إن التأمل في هذه الشبكة يكشف عن فهم متقدم لمفهوم الإدارة المستدامة للموارد،لقد عرف القدماء أن الماء أساس العمران، وأن استدامته تتطلب تخطيطًا طويل الأمد وصيانة دائمة.
بين الأسطورة والعلم
تحمل برك سليمان في طياتها بُعدين متداخلين: بُعدًا أسطورياً وآخر علمياً ، في المخيال الشعبي، ارتبطت البرك بحكايات عن قوى خارقة وجنّ سخّرهم الملك لبنائها، وعن حكمته التي جعلت الماء ينساب حيث يريد، هذه الروايات، وإن بدت بعيدة عن التوثيق العلمي، تعبّر عن تقدير الناس لعظمة المنشأة.
أما البعد العلمي، فيتجلى في الدراسات الأثرية التي حللت تقنيات البناء وأنواع الحجارة وطبقات الترميم ، تشير الأدلة إلى أن البرك خضعت لعمليات تطوير متكررة، ما يعكس استمرارية استخدامها وأهميتها عبر عصور متعددة.
أرطاس والزراعة.. دورة حياة لا تنقطع
وجود البرك والينابيع جعل من أرطاس بيئة زراعية مثالية، اعتمد السكان على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق، فزرعوا الحبوب والخضروات وأشجار الفاكهة، واستثمروا كل شبر من الأرض عبر نظام المصاطب الذي يمنع انجراف التربة ويحافظ على الرطوبة.
كانت مواسم الزراعة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدورة المياه ، فامتلاء البرك في الشتاء يبشّر بموسم وفير، بينما يشكل تراجع منسوبها مؤشراً يستدعي الحذر، هذه العلاقة الحميمة بين الإنسان والماء شكّلت ثقافة محلية قائمة على الترشيد والتعاون.
حضور تاريخي متواصل
خلال العهد العثماني، حظيت البرك بعناية خاصة، إذ أدركت السلطات آنذاك أهميتها في تزويد المدن بالمياه، جرت أعمال صيانة دورية للحفاظ على سلامة الجدران والقنوات، ومع دخول العصر الحديث وتطور شبكات المياه، تراجع الدور العملي للبرك، لكنها احتفظت بقيمتها التاريخية.
في العقود الأخيرة، برزت جهود لإعادة الاعتبار للموقع من خلال مشاريع ترميم وتطوير سياحي، وأصبحت البرك محطة رئيسية للزوار والباحثين، الذين يقصدونها لدراسة تاريخ الهندسة المائية أو للاستمتاع بجمالها الطبيعي.
السياحة الثقافية نافذة على الماضي
تجذب أرطاس اليوم نوعاً خاصاً من السياحة، يقوم على الاهتمام بالتراث والثقافة، الزائر الذي يقف على حافة إحدى البرك، وينظر إلى المياه الساكنة التي تعكس زرقة السماء ، يشعر بعظمة الزمن ، كل حجر هنا يحمل أثر يد عملت قبل قرون، وكل قناة تروي قصة مجتمع أدرك قيمة التنظيم والتخطيط.
السياحة في أرطاس ليست صاخبة، إنها تجربة تأملية، تجمع بين المشي في الطبيعة واستكشاف التاريخ، ويمكن للزائر أن يتجول في الحقول المجاورة، ويتعرف إلى نمط الحياة الريفية الذي ما زال حاضراً رغم تحديات العصر.
تحديات الحاضر.. ومسؤولية الحماية
مثل كثير من المواقع الأثرية ، تواجه برك سليمان تحديات تتعلق بعوامل التعرية والتغيرات المناخية والضغط البشري، فالرطوبة وتسرب المياه قد يؤثران في متانة الجدران، كما أن الإهمال أو الاستخدام غير المنظم قد يهدد سلامة الموقع.
من هنا، تبرز أهمية وضع خطط حماية مستدامة، تشارك فيها الجهات الرسمية والمجتمع المحلي ، فالحفاظ على هذا الإرث ليس مسؤولية ثقافية فحسب، بل واجب وطني وإنساني.
الماء كهوية فلسطينية
في سياق أوسع، تمثل أرطاس وبرك سليمان نموذجاً لعلاقة الفلسطيني بأرضه وموارده،فالماء هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، بل رمز للصمود والاستمرارية، عبر العصور، ظلّت إدارة المياه قضية مركزية في حياة السكان، وشكّلت أساسًا لبناء المجتمعات واستقرارها.
إن استحضار تجربة البرك اليوم يمنحنا دروساً في كيفية التعامل مع الموارد المحدودة بحكمة، وفي أهمية التخطيط بعيد المدى، ففي زمن تتصاعد فيه التحديات البيئية عالمياً، تبدو هذه المنشآت القديمة شاهدة على إمكانية التوفيق بين الإنسان والطبيعة.
حيث يلتقي الماضي بالمستقبل
أرطاس ليست مجرد قرية عابرة في الجغرافيا الفلسطينية، بل مساحة تتقاطع فيها طبقات التاريخ مع نبض الحاضر، وبرك سليمان ليست أحواضاً حجرية صامتة، بل شهادة حية على عبقرية هندسية وثقافة مائية متقدمة.
في كل مرة يزور فيها أحدهم هذا المكان، ويقف أمام الجدران الشاهقة التي احتضنت الماء قروناً طويلة، يدرك أن بعض المعالم لا تُقاس بحجمها فقط، بل بما تختزنه من معنى،هنا، في حضرة الحجر والماء، تتجسد قصة شعبٍ عرف كيف يحوّل الطبيعة إلى شريك في البقاء.
وهكذا تبقى أرطاس صفحة مفتوحة من كتاب فلسطين، عنوانها الماء، ومتنها الصبر، وخاتمتها الأمل المتجدد بأن يظل هذا التراث شاهداً حيا للأجيال القادمة.