اختطفت الغارة والديها فأصبحت الأخت والأم والأب لإخوتها الخمسة
في خيمة مهترئة على أنقاض منزلها المدمر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تخوض الفتاة الفلسطينية نغم مشمش (15 عاما) معارك يومية للبقاء، حاملة على كتفيها الصغيرة مسؤولية رعاية خمسة أشقاء بعدما اختطفت الحرب والديها دون سابق إنذار.
تستذكر نغم تفاصيل تلك الليلة التي قلبت حياتها راسا على عقب: "بينما كنا نائمين، استُهدف بيتنا والبيت المجاور، فاستيقظنا تحت الركام، وصرخت طلبًا للنجدة، ثم هرع الناس وانتشلوني أنا وأخي محمد".
فقدت نغم والديها و24 فردا من عائلتها دفعة واحدة، بينما بقي شقيقها محمد في غيبوبة استمرت ثلاثة شهور، قضتها نغم في المستشفى تتعافى من إصاباتها، وتنتظر فوقة أخيها، لتخرج منه أختا وأما وأبا لخمسة أطفال، أصغرهم لم يتجاوز الخمسة أيام حين وقعت تلك الواقعة المشؤومة.
من المستشفى إلى الخيمة المهترئة
بعد مضي ثلاثة شهور من العلاج، انتقلت نغم وأشقاؤها إلى مستشفى ميداني كان عبارة عن مدرسة، أقامت فيه قرابة عام ونصف قبل أن تعود إلى أنقاض منزلها المدمر، لتنصب خيمة واهية لا تقيهم من برد الشتاء ولا حرّ الصيف.
تصف نغم الواقع الذي يشاركها فيه عشرات الآلاف من النازحين الذين فقدوا منازلهم قائلة: "كلما أمطرت السماء تغرق خيمتنا، أما في الصيف فلا يمكننا المكوث داخلها من شدة الحرّ".
أعباء ومسؤوليات ثقال على أكتاف نغم
يبدأ يوم نغم بترتيب الخيمة والطهي ومتابعة دروس أشقائها والعناية بأخيها الرضيع، كل ذلك بوسائل بدائية في غياب الكهرباء والغاز، "أدرّس إخوتي في النهار وأدرس أنا في الليل"، أدرك أن جهودي مهما بلغت لن تعوض حنان الأم ورعاية الأب، إلا أنّي أحاول سد الفراغ الهائل الذي تركاه".
تعتير المساعدات المالية البسيطة التي تصل كل أربعة أو خمسة شهور من المؤسسات الإغاثية شريان الحياة الوحيد لنغم وإخوتها، "ادّخرها وأنفقها على الاحتياجات العاجلة لإخوتي، فنحن لا نملك أي مصدر دخل آخر".
"كنا نعيش بسعادة عندما كان والدينا أحياء، لكن الحرب قلبت حياتنا رأسا على عقب، لقد حرمنا أنا وإخوتي من حنان الأبوين دون أن نقترف ذنباً".
في غزة لا تعتبر قصة نغم وأخوتها فريدة من نوعها، لأن هنالك 58 ألف طفل فلسطيني فقدوا أمهاتهم أو آباءهم أو كليهما خلال الحرب، ليشكلوا جيشا من الأيتام الذين يعيشون مأساة مزدوجة بين الفقد والخوف.
معاناة مستمرة رغم وقف إطلاق النار
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، إلا أن المأساة الإنسانية لم تنته، في ظل تنصّل إسرائيل من التزاماتها بفتح المعابر وإدخال المواد الغذائية والإغاثية، ما يفاقم معاناة عشرات آلاف العائلات.
حرمت الحرب نغم وإخوتها الصغار من والديهم، وسلبتهم طفولتهم، ونزعت معنى الفرح من قلوبهم، إلا أنها لم نفقدهم الإصرار على البقاء والصمود في أحلك الظروف وأقساها.