تحديثات الأخبار

بقلم منار مناصرة - بيت لحم

القراءة لا تبدأ دائمًا في مكتبات فخمة أو تحت أضواء معارض الكتب. في كثير من الحالات، تبدأ في غرف ضيقة، أو أثناء فترات الانتظار الطويلة، أو في لحظات شعور بالضياع واليأس.
الأشخاص الذين لا يُصنفون عادة ضمن فئة المثقفين، يجدون في الكتاب أداة للبقاء النفسي، أو وسيلة لفهم العالم، أو أداة لإعادة ترتيب حياتهم.

في زمن يُنظر فيه إلى القراءة على أنها نشاط ترفيهي أو تعليمي، تكشف دراسة التأثيرات الحياتية للقراءة أن الكتاب يمكن أن يكون وسيلة نجاة حقيقية، أحيانًا كتاب واحد فقط يحدث فرقًا كبيرًا في الحياة اليومية.
هذا التقرير لا يحتفي بالكتب بوصفها منتجات ثقافية، بل يتتبع أثر القراءة في حياة أناس عاديين: كيف تسللت إلى أيامهم وكيف غيّرت نظرتهم لأنفسهم، وللعالم، وللمستقبل...


- القراءة كملاذ:
القراءة تصبح ملاذًا نفسيًا في لحظات الأزمات أو الضغوط:
• توفر الكتب فرصة للهروب المؤقت من الواقع الصعب، لكنها أيضًا تمنح القدرة على التحليل والتفكير بهدوء.
• القراءة يمكن أن تخفف من التوتر النفسي وتعمل على ضبط المشاعر في أوقات الضغط النفسي أو الاجتماعي.
• التحول من القراءة كهروب إلى القراءة كأداة لفهم الذات يمثل أحد أهم آثارها النفسية.

- الكتاب المناسب في الوقت المناسب:
تظهر الأبحاث أن تأثير الكتاب يرتبط غالبًا بـ توقيت القراءة:
• قراءة نص ما في لحظة ضعف أو أزمة تجعل النص تجربة حقيقية أكثر من كونه مجرد محتوى ثقافي.
• الكتاب الذي يقرأه الإنسان في لحظة حرجة يصبح كمرشد صامت، يوفّر حلولًا غير مباشرة أو عزاءً نفسيًا.
• الأشخاص غالبًا يتذكرون كتابًا واحدًا أو نصًا واحدًا له تأثير حقيقي في حياتهم، بدلًا من قائمة طويلة من الكتب.

- القراءة في أماكن غير متوقعة:
الكتب تصل إلى الناس في أماكن غير تقليدية، وهذا يعكس قوة تأثيرها:
• في السجون يمكن للقراءة أن تكون طوق نجاة ذهني يحافظ على الصحة النفسية ويقلل من شعور العزلة.
• في المخيمات أو مناطق النزوح توفر الكتب مساحة من الحرية الداخلية حتى لو لم تتحقق خارج المكان.
• في المستشفيات أو أثناء المرض تصبح القراءة وسيلة لمقاومة القلق والوحدة ونوافذ إلى حياة طبيعية.

- القراءة والتحرير الذاتي:
القراءة تساعد على إعادة ترتيب الفكر وصياغة الهوية الشخصية:
• توسع الإدراك الاجتماعي والثقافي، وتزيد من القدرة على الفهم النقدي للواقع.
• تساعد في تجاوز القيود الاجتماعية أو الاقتصادية، وتحفز على التفكير المستقل.
• القراءة تمكن من تطوير اللغة الداخلية للفكر والتعبير، وتحسين طريقة اتخاذ القرارات اليومية.

- الفرق بين القراءة للمتعة والقراءة للبقاء:
القراءة قد تكون متعة، وقد تكون ضرورة في الحالة الأولى، يفتح الإنسان كتابًا ليهرب من ضجيج الحياة أو ليستمتع بقصة أو ليغذي فضوله الثقافي، هنا تكون القراءة رفاهية ذهنية، هواية، وسلعة للترفيه والفضول، تمنح المتلقي لحظات من المتعة والاسترخاء.

أما عندما تصبح القراءة أداة للبقاء تتحول إلى فعل حياتي يمس جوهر الوجود فهي ليست هروبًا من الواقع، بل مواجهة صامتة للضغوط اليومية وأداة للتفكير وسط الأزمات وسلاحًا ضد الوحدة أو اليأس... في هذه الحالة، لا تُقرأ الصفحات فقط بل تُستوعب كخطة صبر، كخارطة لفهم الذات وكمصدر للقوة النفسية لمجابهة ما لا يمكن تغييره في الخارج.

يمكن القول إن الفرق الجوهري يكمن في الغرض والنتيجة: متعة القراءة تهدف للراحة، بينما القراءة للبقاء تهدف للنجاة الذهنية ولإعادة ترتيب الحياة ولإيجاد معنى وسط الفوضى ... وفي كثير من الأحيان، تتحول قراءة المتعة تدريجيًا إلى قراءة للبقاء ، عندما يكتشف الإنسان في الكتاب مرشدًا صامتًا، أو صدى لأفكاره ومخاوفه أو أداة ليقف أمام تحديات الحياة بصوت هادئ وواثق.

-القراءة تصبح فعل مقاومة هادئًا، ضد ضغوط الحياة اليومية والقيود الاجتماعية:
• تمنح شعورًا بالاستقلال الذهني، والمساحة الشخصية في عالم مليء بالمطالب.
• تساعد على الحفاظ على التوازن النفسي في مواجهة الصعوبات الاقتصادية أو الاجتماعية.
• تعمل على تعزيز الصبر، وضبط الانفعالات، وتنمية قدرة الإنسان على التحمل.


- تأثير القراءة على الهوية الشخصية والمهنية:

القراءة تشكل أحد أهم أدوات تطوير الهوية الفردية من خلال الاطلاع على نصوص مختلفة تبدأ العقلية في مواجهة وجهات نظر متعددة وتتفاعل معها وتعيد ترتيب المعتقدات والقيم الداخلية... الكتب تمنح القارئ فرصة إعادة تعريف ذاته بعيدًا عن التأثيرات المباشرة للمجتمع أو المحيط.
في المجال المهني : القراءة توسع المدارك وتفتح آفاق التفكير النقدي وحل المشكلات فالشخص الذي يقرأ بانتظام قادر على التعامل مع التحديات بشكل أكثر إبداعًا، ويملك أدوات لمعالجة المعلومات واتخاذ قرارات محسوبة.

 

القراءة ليست مجرد نشاط عقلي أو رفاهية ثقافية، بل هي قوة خفية قادرة على تغيير حياة الإنسان بطرق غير متوقعة... فهي تعيد ترتيب الأفكار وتعيد صياغة الهوية الشخصية والمهنية وتمنح القدرة على مواجهة تحديات الحياة اليومية بثقة ووعي.
الكتب توفر مساحة للهروب من ضغوط الواقع، لكنها في الوقت نفسه تمنح القارئ أدوات النجاة النفسي والفكري والاجتماعي والقراءة تعلم الصبر، تعزز التفكير النقدي، وتزرع القدرة على التعاطف وفهم الآخرين، وتجعل من الفرد جزءًا فاعلًا في مجتمعه.

القراء الذين يلتقون بالكتاب في اللحظة الصحيحة، في زمن الأزمات أو الانتقال، يختبرون تجربة تحوّل حقيقي فالكتاب يصبح مرشدًا صامتًا، وأداة تطوير مستمرة، ورفيقًا دائمًا في رحلة الحياة لا يزول أثره بعد إغلاق الصفحة الأخيرة.

في النهاية يمكن القول إن القراءة أداة للتغيير المستمر، لا تقتصر على اكتساب المعرفة، بل تشمل تطوير الذات وإعادة اكتشاف الهوية، وتحويل الإنسان إلى نسخة أفضل من نفسه الى شخصًا قادرًا على مواجهة الحياة بإبداع وثبات حتى في أصعب الظروف.

الكتاب ... مهما كان صغيرًا أو بسيطًا، يملك القدرة على أن يكون بداية رحلة كاملة نحو حياة أكثر وعيًا وإثراءً وإصرارًا على التغيير.