تحديثات الأخبار

 بقلم الدكتورة بلقيس عثامنة - الاردن

يظهر الشعر النبطي كروح للهوية البدوية يجسد هذا المجتمع، ويطرح مشكلاته وقضاياه، ويكون روحًا من روحه النابضة بالعادات الخاصة، والارتباط بالأرض والتقاليد، وهذا يفسر التساؤل المرافق دائما للشعر النبطي، كيف بقي حيًّا رغم عدم اعتراف المؤسسة الأدبية الرسمية به؟ وعند ملامسة هذا الشعر تكون الإجابة حاضرة إنه قوة دافعة متوارثة على مر العصور، وسليقة إبداعية يمتلكها أبناء البادية رفقة مسيرة حياتهم، فكان الشعر النبطي.

إنه قوة متجذرة بعيدًا في عمق التاريخ، وصوت صادح في بيئته، استطاع الصمود رغم هيمنة الفصحى أدبيًا وإعلاميًا، في الواقع أنا لست من أنصار اللهجات العامية على حساب الفصحى في الأدب، إلا أن الشعر النبطي سار إلى جانب الآداب الفصحى رحلة طويلة ثقافيا وتاريخيا وارتحل في الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام، ليترك بصمته في كل المناسبات واللحظات الاجتماعية البدوية، ويمتلك جائزة شاعر المليون في الوقت الحاضر، لكنه لم يحظ باعتراف يليق بتاريخيته وتطوره. يقول الشيخ عبدالله بن محمد بن خميس في كتابه "الأدب الشعبي في جزيرة العرب" واصفًا "الشعر النَّبطي": "إنَّ شعرًا وأدبًا يعبِّر عن حياة أمَّة، ويحفظ تاريخَ أجيال، ويرويه كثيرٌ من العرب ويتأثَّرون به، ويتنافسون فيه ما يزيد على خمسة قرون - لَجَدير بأن يَحتضِنَه الفِكر العربي، ويدرسه دراسةً شاملة، ويَستخرج من كنوزه ومخبآته، ما ظلَّت المكتبة العربيَّة فقيرةً إليه".[1] لذا لا يمكن انكار حضوره الخاص وصورته الناصعة.

 وعندما نتأمل في وظيفة الشعر النبطي في المجتمعات البدوية، يتضح أنه لم يكن مجرد ترف فني، كان مكتبة شفوية تحفظ التاريخ وتروي الحكايات وتوثق الأحداث والمواقف والحكم. لقد ظل هذا اللون من الشعر وسيلة ضرورية للتعليم الاجتماعي قبل انتشار الكتابة، فقد استخدم في التعبير عن المشاعر والأفراح والأحزان، وأيضًا، في تسجيل الأخبار وتوثيق النزاعات والصلح والأحداث الكبرى التي يمر بها المجتمع البدوي. وهذا ما جعل الشعر النبطي أرشيفًا حضاريًا متوارثًا من جيل إلى جيل.[2] إنه وثيقة تاريخية يمكن من خلالها دراسة القبائل البدوية وثقافتها ومخاوفها وأساليبها الخاصة في الحياة، وبالتالي تكون أهمية هذا الفن مضاعفة ثقافيا وحضاريا إلى جانب الذائقة الأدبية والروح الشعرية التي سكنت أبناءه.

وبالسؤال عن فنيته فإن الشعر النبطي لا يخلو من قواعد فنية، رغم نظمه بلهجة عامية، فهو يعتمد على الإيقاع العمودي والقافية الموحدة في تناغم مع العروض التقليدي، ما يجعله قريبًا من الشعر الفصيح في بنيته، لكنه يتفرد بأسلوبه الأسهل وبساطته اللغوية التي تجعل المتلقي قريبًا منه. وقد أشار بعض الأدباء إلى أن هذا الشعر واجه النقد من بعض النحاة القدماء، غير أن البلاغة فيه لا تقاس فقط بالمعايير النحوية التقليدية، بل بمطابقة الكلام للمقصود وتمثيله للحالة الإنسانية التي يعبر عنها الشاعر بقوة وصدق.[3] والصدق الفني، والقرب من ثقافة المجتمع ومخاطبة العامة باختلاف أطيافهم إضافة إلى الالتزام بالقواعد الفنية شكلت سرًّا من أسرار نجاح هذا الفن الشعري وانتشاره.

 إذ لا تزال حيوية الشعر النبطي واضحة، مع اهتمام المؤسسات الثقافية الحديثة والفعاليات الأدبية التي ساهمت في إعادة إحياء هذا التراث للشباب والمجتمع العام، ففي بعض الدول العربية، تنشط المسابقات الثقافية والجوائز الأدبية التي تكرم الشعر النبطي وتفتح له آفاق جديدة، ما يؤكد أنه لم يمت وما عاد محصورًا في الماضي، إنه يعيش تجددًا وتفاعلًا مع الأجيال الجديدة.[4] فحظي بمكانة جديدة، ورفض النفي بعيدًا عن التقدير والتفاعل، لكنه ما زال بعيدًا عن الدراسات الأكاديمية ولم يخرط بعد في الأدب العربي، لكنه بدأ بشق طريق جديد، أحيا فيه العطاء وحث ذوي الموهبة على الإبداع والإبقاء على الشعر النبطي.

إن الشعر بمختلف أطياف محبيه، وبكل سبله التعبيرية، وموضوعاته وأغراضه وموسيقاه وقواعده وطرقه الخاصة في توظيف اللغة سعيًا للبحث عن المعنى وتخليد لحظات وخلوات خاصة، وأحداث اجتماعية، وقضايا شائكة، إنه أدب عذب يهدف إلى رفع المجتمع، والإبقاء على هويته الخاصة، والتعبير عنه بطريقة متميزة، وكان الشعر النبطي، وما زال جزءًا من الأدب العربي، ونوعًا من أنواع التعبير الجزل الذي يوظف اللهجات والمعطيات البدوية في عرض الحياة، وجماليته متصله بصموده والحفاوته التي يجدها، ولكن هل سنرى الشعر النبطي في الساحة النقدية لسبر أغواره وقراءته من الداخل؟

([1]) عرض كتاب: دراسة في الشعر النبطي.

([2]) Nabati poetry is a vital documentation for generations to come

([3]) الشعر النَّبطي.. حكاية الأصل والبدايات | ثقافة | الجزيرة نت.

([4]) New Nabati Poetry Awards Officially Launched at Abu Dhabi International Book Fair 2022.