تحديثات الأخبار

بقلم منار مناصرة - بيت لحم

حين يقترب الربيع من فلسطين، لا يعلن قدومه بصخبٍ كبير، بل يهمس أولًا عبر زهرةٍ حمراء صغيرة تشقّ التراب بهدوء، كأنها قطرة دمٍ أزهرت فجأة في حضن الأرض... شقائق النعمان ليست مجرد نباتٍ بريّ عابر؛ إنها علامة فصل، وإشارة ذاكرة، ونبضٌ يتجدّد كل عام فوق التلال والسهول.
تنتشر في الحقول المفتوحة، على أطراف القرى، وبين سنابل القمح فتبدو كأنها نارٌ لطيفة تشتعل فوق بساطٍ أخضر، لا تحتاج إلى حدائق منظّمة، ولا إلى عنايةٍ خاصة... تكفيها الأرض كما هي، وتكفيها شمس الربيع، فتزهر بعنادٍ جميل.

زهرة برية… بنت الأرض:
لا تُزرع شقائق النعمان في الغالب، بل تنبت من تلقاء نفسها، كأنها تعرف طريقها إلى الضوء دون إرشاد... لهذا ارتبطت بالأرض أكثر من أي زهرة أخرى؛ فهي لا تعيش في الأواني المزخرفة، بل في البراري المفتوحة، حيث الريح حرة، والتراب عارٍ من الزينة.

وفي الريف الفلسطيني، كان ظهورها علامةً يعرفها الفلاح جيدًا... حين يرى الاحمرار يمتدّ بين الأعشاب، يدرك أن الشتاء في اواخره، وأن موسمًا جديدًا قد يبدأ قريبا ، كانت الزهرة تقترن بدورة الحياة الزراعية، وتعلن أن الأرض التي نامت طويلًا بدأت تستيقظ.

بين الحكاية والرمز:
يحمل اسمها في العربية القديمة قصة حبٍ وأسطورة فراق، لكن في فلسطين اكتسبت معنى آخر، أكثر التصاقًا بالواقع... تحوّل لونها الأحمر القاني إلى رمزٍ لذاكرةٍ جماعية، وصارت تُستدعى كلما ذُكر الشهداء.
ليس لأن الأرض تتبدّل إلى لون الدم، بل لأن الزهرة نفسها تُجسّد فكرة البقاء بعد الألم وتنبت من التراب، وتواجه الرياح، وتبقى شامخة رغم هشاشة بتلاتها... هي رقيقة في الشكل، قوية في المعنى.

وفي الوجدان الشعبي، كثيرًا ما يُقال إن الأرض إذا ارتوت بدمٍ طاهر، أزهرت شقائق النعمان، العبارة ليست وصفًا علميًا، بل استعارة وجدانية تعبّر عن إيمانٍ عميق بأن التضحية لا تذهب سدى، وأن الذاكرة لا تموت.

في الأغنية واللوحة:
حضرَت شقائق النعمان في الأغاني الوطنية، وفي لوحات الفنانين الفلسطينيين الذين رسموا الحقول المشتعلة بالأحمر كأنها رايات صامتة... كانت دائمًا جزءًا من المشهد البصري لفلسطين في الربيع: طفلٌ يركض بين الزهور، امرأةٌ تقطف بعضًا منها، أو تلالٌ تمتدّ حتى الأفق مزدانة ببقعٍ حمراء نابضة.

فالزهرة الصغيرة أصبحت عنصرًا ثابتًا في الهوية البصرية الفلسطينية... يكفي أن تُرسم على جدار أو تُطرّز على ثوب، حتى تُفهم الإشارة دون شرح.
وفي التطريز الفلسطيني، وإن لم تكن الأكثر حضورًا مثل أشجار السرو أو سنابل القمح، فإن اللون الأحمر ذاته يحمل الروح التي تمثلها شقائق النعمان: الحيوية، والجرأة، والارتباط بالأرض.

موسم قصير… أثر طويل:
لا تعيش شقائق النعمان طويلًا، موسمها قصير وبتلاتها قد تتساقط سريعًا  لكنها رغم قصر عمرها، تترك أثرًا بصريًا لا يُنسى... ربما في ذلك سرّ رمزيتها: الجمال العابر الذي يخلّف أثرًا دائمًا.
هي تذكير بأن الحياة، مهما قصرت، يمكن أن تكون مكتملة في لحظة ازدهارها، وأن الأرض مهما قست عليها الفصول، قادرة على أن تُفاجئنا بانفجارٍ من اللون.

الزهرة التي تشبه البلاد:
تشبه شقائق النعمان فلسطين في أكثر من معنى.
تنبت في أرضٍ مفتوحة، بلا حواجز.
تتوزّع بحرية، كأنها لا تعترف بالحدود!
وتتلوّن بالأحمر الذي يجمع بين الحب والتضحية...

ليست زهرةً فاخرة، ولا نادرة، لكنها حين تتكاثر، تحوّل السهل كلّه إلى لوحةٍ واحدة... كأنها تقول إن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى استثناء، بل إلى حضورٍ جماعي.
وفي كل ربيع، حين تعود شقائق النعمان لتزهر، يشعر الفلسطيني أن الأرض ما زالت تتذكر... تتذكر أسماءً مرّت من هنا، وخطواتٍ عبرت التلال، وأصواتًا سكنت الحقول... الزهرة لا تنطق، لكنها تُذكّر.

ذاكرة لا تذبل:
قد تُقطف زهرة، وقد تذبل أخرى، لكن الحقل يعود في العام التالي أكثر احمرارًا. هكذا تعمل الذاكرة الجماعية: تتجدّد رغم الفقد، وتزهر رغم الغياب.

شقائق النعمان ليست مجرد إعلان لاقتراب الربيع، بل وعدٌ بأن الأرض قادرة على الاحتفاظ بأسرارها، وعلى إعادة رواية حكايتها كل عام بلغة اللون.

في فلسطين، حين ترى سهلًا يتوهّج بالأحمر، لا ترى زهورًا فحسب... ترى طبقاتٍ من المعنى: أرضًا تُنبت الجمال، وذاكرةً تحفظ أسماء الشهداء، وشعبًا يجد في زهرةٍ برية ما يكفي من الرمزية ليقول إن الحكاية ما زالت مستمرة.

إنها زهرة الأرض…
وذاكرة الشهداء التي تزهر كل ربيع.