تحديثات الأخبار

بقلم: ايناس صيام

 حين تُسكت المآذن تحت دوي الصواريخ العابرة

في القدس اليوم، لم يعد الصمت سكينة، بل هو صرخة مكتومة في أزقة البلدة القديمة. لليوم الخامس على التوالي، يرزح المسجد الأقصى تحت حصار مطبق، تزامناً مع اندلاع الحرب الإقليمية الكبرى التي هزت أركان المنطقة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. في القدس، لا نراقب شاشات الأخبار لنعرف مصير "الجبهات البعيدة"، فنحن الجبهة، ونحن الثمن، ونحن من يُراد تغييب صوتنا تحت غبار المعارك الكبرى.

مآذن صامتة في ظل "حالة الطوارئ"

بذريعة "حالة الطوارئ" القصوى التي أعلنها الاحتلال عقب الضربات المتبادلة، أُخرست مآذن الأقصى. مُنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت، ولم يُسمح إلا لقلة من موظفي الأوقاف بالبقاء. في شهر رمضان الفضيل، حُرمنا من قدسية التراويح والاجتماع في رحاب القبلة الأولى. هذا الصمت ليس أمنياً كما يدعون، بل هو استغلال لغبار الحرب لتنفيذ أجندة عزل المدينة وتغيير واقعها الروحاني والتاريخي.

جغرافيا الحصار: الهوية كزنزانة إلكترونية

تحولت أبواب البلدة القديمة إلى نقاط فرز عنصري؛ فلا يُسمح بالمرور إلا لمن تثبت هويته أنه من سكان الأزقة الداخلية. تحولت أحياء القدس إلى جزر معزولة؛ من سلوان إلى الشيخ جراح و كل الاحياء المقدسية، الجميع يعيش تحت وطأة "التعلم عن بعد" والاقتصاد المشلول. الشوارع التي كانت تضج بالزوار والمصلين، باتت فارغة تماماً، تترقب بقلق ما ستسفر عنه الأيام القادمة من حرب لا يمكن التنبؤ بطول أمدها أو نهايتها، مما يضعنا أمام عدم استقرار معنوي ومادي مخيف.

القدس: قلب العاصفة الإقليمية

بينما يتصارع الكبار (إيران، أمريكا، وإسرائيل)، يجد المقدسي نفسه يدفع الضريبة الأغلى. نحن ندرك أن هذه البلاد هي مطمع الجميع منذ الأزل، وأن الحرب القائمة اليوم ليست سوى فصل جديد من فصول الصراع على هذه الأرض المباركة. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في الصمت المحلي والدولي المريب؛ فعندما تشتعل الجبهات، تُنسى القدس، وتُترك وحيدة لتواجه محاولات "الأسرلة" والإغلاق التام تحت ستار الدخان المنبعث من الصواريخ البعيدة.

يقين الرباط وفخر الصمود

رغم الخوف، ورغم الحصار الاقتصادي والمادي الذي ينهك كواهلنا، يظل إيماننا بـ "الرباط" هو المحرك. نحن أهل هذه البلاد، نعلم أن تكريمنا هو حراسة هذا الإرث في أصعب اللحظات. إن صمودنا اليوم، ببيوتنا المفتوحة وجراحنا النازفة، هو أبلغ رد على كل من يظن أن الحرب قادرة على تغييب هوية القدس.

نحن هنا، صامدون بيقين المؤمن الذي لا ينكسر، وهنيئاً لنا هذا التشريف الإلهي، وسيعيننا الله على البقاء حتى ينقشع هذا السواد.