تحديثات الأخبار

بقلم الباحث محمد سامي نعالوة-  طولكرم - شويكة

بين طين جلجامش وخيال المعري

تتعانق أنفاس الغيب مع تنهدات الفناء في جوف التاريخ السحيق، فتنبثق الرحلة زهرةً ناريةً تخترق حدود الجسد، وتغوص في محيطات الروح المتلاطمة. هو عبورٌ كونيٌّ ينطلق من عتمة الوجود، سعياً وراء ضياء الخلود أو سكينة الغفران. في ملحمة جلجامش، أقدم ترانيم البشر، يمضي الملك البابلي كطائرٍ جريحٍ يذرع الأفق بحثاً عن ترياق الحياة الأبدية. وفي رسالة الغفران، يرتدي أبو العلاء المعري حلة المسافر الخيالي، فيعبر عوالم الآخرة ظلاً يتسلل بين رياض الجنان وزفير النيران، مستنطقاً أسرار اللغة والعقيدة. رحلتان تفيضان عن ضفاف المألوف، وتزيحان الستار عن طبقات النفس المنسية، حيث يعانق الردى أمل البقاء، ويصافح القهرُ شمس الحرية، في رقصةٍ سرمدية قوامها الحيرة والإشراق.

جلجامش: ملكٌ توجَّه الوجع

من أروقة "أوروك" الضاربة في القدم، ينبثق جلجامش عملاقاً صيغ من طينة الآلهة وهشاشة البشر، حاملاً في حناياه عواصف القدر المحتوم. تبدأ خطاه مثقلةً بالفرار من شبح الفناء، بعدما احتضن "إنكيدو" -رفيق روحه ومرآة وحشيته- تراب العالم السفلي. تتمدد رحلته فوق خرائط الجغرافيا، من غابات الأرز الباذخة إلى لجج البحار المظلمة، عبوراً بجبال المشرق تحت حراسة رجال العقارب، وصولاً إلى "أوتنابشتيم"، الناجي الوحيد من الطوفان، وحارس سر الخلود المخبأ في قعر الزمن.

تغدو الوديان المتعرجة مرآةً صقيلةً لذات الملك؛ فيواجه وحوش القفار التي تجسد صراعاته الداخلية، ويجتاز أنهار الظلمة ليبلغ ضفاف الوعي. يقتنص عشبة الخلود من قاع المحيط، تلك الوردة الشائكة التي تجسد الأمل المراوغ، حتى تختطفها الأفعى، مؤكدةً أن الخلود الحقيقي يكمن في التصالح مع الفناء. رحلة جلجامش انفجارٌ من اليأس يستحيل حكمةً بليغة، إذ يعود إلى أسوار مدينته ليرى فيها بقاءه الأسمى، مدركاً أن إنسانيته تتجلى في شرف المحاولة ومصارعة القدر.

رسالة الغفران: إبحارٌ في ملكوت الكلمة

في رحاب "الغفران"، ينسج أبو العلاء المعري -ذلك الرهينُ الذي أضاءت بصيرته عتمة بصره- رحلةً تخييليةً تكسر قيود الواقع. يستلهم من رسالة "ابن القارح" جسراً يمتد نحو الغيب، فيجعل منه مسافراً سماويّاً يطوي المسافات من موقف الحشر إلى فردوس النعيم، ثم إلى دركات الجحيم. يلتقي هناك بشعراء الجاهلية والإسلام، من "زهير" إلى "حسان"، فيحاورهم في مكنونات الشعر وشؤون المغفرة، محولاً اللغة إلى سفينةٍ تمخر عباب الآخرة.

هي رحلةٌ فلسفيةٌ تمزج السخرية بالعمق، وتكشف طبقات الدين والأدب كأغشيةٍ شفافة تتداخل فيها الضحكة بالدمعة. يتجول ابن القارح في جنة العفاريت، ويسائل الشعراء عن عثراتهم العروضية وهفواتهم الأخلاقية، مستعرضاً قضايا الحرية الفكرية وصدق الإيمان. يغدو الجحيم في ناظر المعري مسرحاً للنقد، وتستحيل الجنة مرآةً للعقل البشري، حيث يتفحص أوهام الناس ويجعل من الغفران مفتاحاً لاستكشاف التخوم الفاصلة بين اليقين والارتباك.

أصداء الوجود: لقاءُ الرمز بالأسطورة

تتجلى الرحلة في هذين الأثرين كرمزٍ لصراع الإنسان مع المجهول، وبوابةٍ للتحول الروحي الكبير. يجوب جلجامش الأرض طلباً لخلود الجسد، مصادماً الوحوش والجبال، بينما يطوف ابن القارح في عوالم الغيب متسلحاً باللغة ضد الزيف والرياء. كلاهما يقف وجهاً لوجه أمام الموت؛ فيقبله جلجامش كجزءٍ أصيل من كينونته، ويستحضره المعري كأداةٍ للنقد الفلسفي الرصين.

يكمن الفرق في جوهر المسير؛ فرحلة جلجامش أسطورةٌ تعمدت بالعنف والألم لتنتهي بسلام الحكمة، ورحلة المعري خيالٌ أدبيٌّ يفيض بالحوارات الذكية ليفضي إلى تساؤلاتٍ تتحدى السائد. كلاهما يجعل من الرحلة مرآةً لجوهر الإنسان، حيث يلتقي الفاني بالأبدي في استكشافٍ لا يعرف القيد.

أفقُ العبور الدائم

في أعماق هاتين الملحمتين، تظل الرحلة هي سر الوجود، وانفجار الضياء في عتمة الزمن. جلجامش والمعري مسافران في بحار الروح، يذكران البشرية بأن جوهرها يكمن في العبور، وأن الخلود يولد من شجاعة الانطلاق نحو المجهول. هي رحلةٌ مستمرةٌ في أرواحنا، تردد أصداءً أبدية، وتدعونا لاستكشاف أغوارنا الخفية في رقصةٍ مع القدر تتجاوز كل الحدود.