تحديثات الأخبار

بقلم إيناس صيام - القدس

لقد قدّر لي القدر أن أطوف في أرجاء الأرض، وأن أحمل حقيبتي لأستكشف جمالاً متنوعاً في قاراتٍ شتى. وقفتُ في قلب لندن العريقة، ومشيتُ في جادات باريس المترفة بجمالها المعماري، وتأملتُ الطبيعة الصارمة والنظام المبهر في ألمانيا.  بل إنني ذهبتُ أبعد من ذلك، حين لمستُ بساطة الحياة في أفريقيا، ووقفتُ مبهوراً أمام لا نهائية الزرقة على شواطئ المحيط الهندي.

كل تلك الأماكن لها سحرها الذي لا يُنكر، ولها "جمالٌ" يسرُّ الناظرين. لكنني، وفي كل محطة كنتُ أرسم فيها خطى رحيلي، كنتُ أصطدم بذات الحقيقة التي لا تتغير: العالمُ جميل، أما القدسُ فهي "غير".

جمالُ الرُّوح لا جمالُ المظهر في أوروبا، الجمالُ هندسةٌ ونظام؛ وفي أفريقيا والمحيط، الجمالُ فطرةٌ وطبيعة. لكن في القدس، الجمالُ "روحٌ" تتلبّسك. هناك فرقٌ شاسع بين مدينةٍ تزورها لتستمتع بمرافقها، وبين مدينةٍ تزورها لكي "تستعيد نفسك". في القدس، الحجرُ ليس جماداً؛ إنه كتابٌ مفتوح. حين تلمس جدران البلدة القديمة، لا تشعر ببرودة الحجر الذي شعرتُ به في مباني لندن الباردة، بل تشعر بدفءٍ غريب، كأنَّ هذه الحجارة تحفظُ أنفاس المارّة وصوات العابدين عبر العصور.

حين تصمتُ الدنيا لتبدأ القدس لقد وقفتُ أمام المحيط الهندي، وشعرتُ بعظمة الخالق في مائه وأمواجه، لكنني لم أشعر بتلك "الرهبة" التي تسكنني حين أدخل من أبواب القدس. هناك، فوق تلك الأرض، تشعر أنَّ السماءَ ليست بعيدة؛ إنها تلامسُ قبة الصخرة، وتتعانقُ مع أجراس كنيسة القيامة في سيمفونيةٍ لا توجد في أي بقعةٍ أخرى من كوكبنا. في القدس، الروحانية ليست مجرد طقس، بل هي "هواء" تستنشقه. هي ذاك الشعور بالسكينة الذي يغمر قلبك بمجرد أن تطأ قدماك باحات الأقصى، شعورٌ بالانتماء لا تمنحه لك أرقى فنادق العالم ولا أجمل شواطئه.

بساطةُ العظمة يسألونني عن سر هذا التعلّق، فأقول: في باريس قد تشرب قهوتك في أرقى المقاهي، لكن في القدس، رشفة قهوةٍ من بائعٍ متجول في طريق الآلام، مع قطعة كعكٍ مقدسيٍّ تفوح منها رائحة السمسم والبركة وأنت جالسٌ على درجات "باب العامود"، هي تجربةٌ تفوق بجمالها وبساطتها كل بذخ العالم. إنها لذةُ الانتماء، وطعمُ الهوية التي لا تضيع مهما غبنا.

الخاتمة: بوصلةُ القلب لقد عدتُ من أسفاري بقناعةٍ لا تتزحزح: قد تبهرنا مدنُ العالم بأضوائها، وقد تدهشنا الطبيعة بعظمتها، ولكن تبقى القدسُ هي البوصلة والمنتهى. هي المدينة التي لا تقارن، ولا توصف، ولا تُستبدل. هي باختصار، المكان الذي يخبرك دائماً أنَّ الجمال الحقيقي لا يراه البصرُ فحسب، بل يسكنُ في البصيرة.. وتبقى القدسُ "غير".