تحديثات الأخبار

بقلم الباحث محمد سامي نعالوة-  طولكرم - شويكة

      في اللحظة التي ترتجف فيها الأرض تحت وطأة الخطى الإلهية، وحينما تنصهر حدود الزمن في بوتقة بابل القديمة، يتجلى النص كمخاضٍ كوني يمزق رداء السكون. هنا، في حضرة السياب، تتحول الكلمات إلى شرارات مقدسة تقدح في عتمة الوجود، لترسم ملامح صراعٍ يتجاوز حدود البشر. إنّنا نقف أمام بوابة عشتار، العشق في محرابها يمتزج بلظى الحرب، والنزيف يغدو مداداً تكتب به الأرض حكاية انبعاثها. هي رحلة في أعماق الروح، والوحش يتربص بالجمال، والإلهة تقايض جراحها بخصبٍ أبدي، لتصنع من الموت جسراً نحو خلودٍ يتنفس برئة الرافدين.

     في أعماق الظلال البابلية، تتردد أصداء الآلهة المنسية كأنها أنفاس كون يتنفس الألم، ينبثق صوت بدر شاكر السياب نجماً يمزق ستار الليل. قصيدته "سربروس في بابل" لوحة حية تنبض بدماء الأسطورة، تجمع بين وحشية اليونان القديمة وخصوبة الرافدين الأبدية. عشتار، تلك الإلهة المتأججة بالعشق والحرب، تتجلى هنا كروح الخصب المتعذب، تنزل إلى أغوار الجحيم لتلملم شظايا تموز، حبيبها الإلهي، في رقصة كونية تجمع النزيف بالولادة، والفناء بالتجدد الأزلي.

     تسير عشتار في دروب بابل المهدمة، كأنها نسمة تحمل عطر الخصوبة وسط عواء الوحش. سربروس، ذلك الكائن الثلاثي الرؤوس، حارس العوالم السفلية، يغزو الفضاء بزئيره، يمزق الصغار بنيابه، يقضم العظام، يشرب القلوب. إنه تجسيد الشر المتوحش، رمز السلطة الظالمة التي تفترس الروح الجماعية، يؤجج احتراقاً في قلب العراق. ومع ذلك، يتحول هذا الوحش إلى محفز للقيامة، فدماء عشتار التي تسيل تحت نيابه تصبح إكسيراً يروي التراب الظمآن، ينبت منه آلهة جديدة، ضياء ينبثق من رحم الظلمة.

     عشتار هنا كائن فلسفي يتجاوز الحدود الزمنية، تمثل الإرادة الكونية التي تحول الجرح إلى مصدر قوة، تجمع أجزاء تموز المبعثرة كثمار مقدسة، توزعها على الخلق ليتباركوا بسر الخلود. النزيف يصبح ينبوعاً، الدم يغمر الأرض فيتحول إلى رحم للخلق المتجدد، هي الأم الكونية، تحمل في أحشائها قدرة الخلق الأبدي، تمنح الحياة في أقسى لحظات الانهيار. الصراع مع سربروس رقصة وجودية تتجاوز الثنائيات، تجعل الجرح باباً للانبعاث، والمعاناة طريقاً نحو نور يتفتح في صميم النزف.

      في بابل المتشظية، رمز الوطن الجريح والحضارة المتآكلة، تظل عشتار مقاومة أبدية، تواصل سعيها لإعادة بناء الخصب من أنقاضه، هي الوعي الجمعي يلتقي بالفعل الثوري، تولد من دمائها قوة تجابه الوحش بالرفض الأزلي. السياب، بهذا التوظيف الساحر للأسطورة، يرتقي بالقصيدة إلى تأمل كوني في سر الوجود: الحياة تنبثق من الجرح، النور يولد من أعماق النزيف، في رقصة أبدية بين الفناء والتجدد، تجعل عشتار خالدة في أرواحنا نجمة تضيء دروب الروح الإنسانية.

     هكذا تستقر عشتار في وجدان الكون، منارةً شامخة تشق عباب العدم، وتزرع في شقوق الخراب بذور الضياء الأزلية، إنّها الحقيقة التي تتبلور في صميم الوجع، وقوة الحياة التي تعيد صياغة الوجود من شظايا التمزق والانهيار. يبقى صوت السياب صدىً يتردد في ردهات الخلود، شاهداً على أن الدم الذي يسقي التراب هو ذاته الإكسير الذي يهب الآلهة قدرة التجدد، لقد أضحت بابل، بفضل هذا العناق الأسطوري بين الألم والأمل، قبلةً للأرواح الظمأى، وملاذاً لكل ثائرٍ يرى في الجرح باباً للعبور نحو فجرٍ لا ينطفئ، وتظلّ عشتار سيدة الفصول، وراعية القيامة التي تولد كل حين من رحم الصمود

رابط المصدر: https://marenapost.com/ar/news/3820

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

اشترك في نشرة اخبارنا